يعكس الاتجاه المتزايد بين شباب محافظة الكرك نحو العمل الحر والريادة، بدلاً من انتظار الوظيفة الحكومية، وعياً بمتغيرات سوق العمل المحلي والعالمي، الذي بات في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يتطلب مهارات تقنية وفنية ومرونة في العمل، بعيداً عن النمط الوظيفي التقليدي.
ودفع معدل البطالة في المحافظة، الذي بلغ 20.2 بالمئة وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024، إلى جانب الحاجة لتحسين الظروف المعيشية، العديد من الشباب إلى تحويل أفكارهم إلى مشاريع إنتاجية، متحدين الصعوبات الاقتصادية والتمويلية.
ويقول الشاب أحمد البيايضة (29 عاماً) إنه لم يتمكن من إكمال دراسته في تخصص الكهروميكانيك، رغم شغفه بالمجال، بسبب الظروف المادية لأسرته، ما دفعه إلى البحث عن فرصة عمل.
وبادر البيايضة إلى شراء سيارة كهربائية صغيرة والعمل عبر أحد تطبيقات التوصيل، قبل أن يلاحظ صعوبة شحن السيارات الكهربائية في الكرك، فقرر تحويل المشكلة إلى فرصة، وإنشاء محطة شحن.
وحصل على قرض بقيمة 73 ألف دينار من صندوق التنمية والتشغيل، بعد تقديم الضمانات المطلوبة، واضطر إلى رهن منزل أسرته، رغم تخوف والده من المخاطرة.
ويقول إن الإجراءات البيروقراطية شكلت تحدياً إضافياً، إلا أن إصراره ساعده على تجاوز العقبات، وهو يعمل حالياً على تطوير المشروع وزيادة أجهزة الشحن، إلى جانب استغلال المخازن داخل المشروع لإقامة مقهى واستراحة للزبائن. ويوفر المشروع حالياً 5 فرص عمل له ولشقيقه وثلاثة شباب جامعيين من أبناء بلدته، فيما يخطط للتوسع بما يعزز قدرة المشروع على الاستمرار وسداد التزاماته المالية.
أما المهندسة نبال البطوش، فاختارت بعد سنوات من العمل في القطاع الخاص، وما رافقها من تحديات خلال جائحة كورونا ومحدودية فرص العمل في تخصصها، الانتقال إلى ريادة الأعمال.
وبعد تلقي تدريبات متخصصة، أطلقت مشروعاً لتصنيع مستحضرات التجميل باستخدام نبات المورينجا المزروع في الأغوار الجنوبية، ليصبح المشروع مصدراً للدخل لها ولأسرتها، ويوفر فرص عمل لأربع فتيات في الكرك.
ويحمل المنتج ترخيصاً من المؤسسة العامة للغذاء والدواء، وحصلت البطوش من خلاله على جوائز وتكريمات عدة، كما تمكنت من الحصول على منحة بقيمة 25 ألف دينار مكنتها من افتتاح متجر خاص لبيع منتجاتها.
من جانبه، وظف الشاب معاوية الصعوب خبراته في مجال التسويق السياحي خارج الأردن لإقامة مشاريع تخدم القطاع السياحي في الكرك.
ويستعد الصعوب لافتتاح مشروعين سياحيين؛ الأول مخيم سياحي صحراوي متكامل جنوب الكرك بكلفة 75 ألف دينار بتمويل من صندوق التنمية والتشغيل، والثاني أكواخ خشبية ومطعم سياحي بتمويل ذاتي بالقرب من غابة اليوبيل.
كما يمتلك مشروعاً سياحياً في مدينة السلط، ويفكر في إقامة مركز تدريب سياحي في الكرك، بما يسهم في توفير فرص عمل جديدة.
وأكد الشباب أن تعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة يتطلب تبسيط إجراءات الحصول على التمويل، ومنح أولوية للمشاريع غير المكررة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب إجراء تقييم دوري للمشاريع الممولة، وتخفيف شروط وضمانات الحصول على القروض.
ويرى أستاذ علم اجتماع التنمية وقيم العمل الدكتور حسين محادين أن الشباب يمثلون قاعدة الهرم السكاني في المجتمع الأردني، وفي ظل تراجع قدرة القطاع العام على توفير الوظائف، بات التوجه نحو المشاريع الخاصة والريادية خياراً مهماً.
وأشار إلى أن بعض المشاريع الشبابية تتعثر نتيجة غياب الخبرة والمهارات ودراسات الجدوى والإدارة الرشيدة، مؤكداً أهمية دور الأسرة في تعزيز ثقافة العمل الاقتصادي، سواء عبر المشاريع التقليدية أو التجارة الإلكترونية.
ودعا الجهات الحكومية إلى توفير منافذ تمويلية للمشاريع الشبابية بشروط مخففة، وفق قاعدة تنموية تقوم على «كن طموحاً وابدأ صغيراً».
وقال مدير صندوق التنمية والتشغيل في الكرك ياسين المبيضين إن الصندوق يوفر برامج للتشغيل الذاتي ونوافذ تمويلية بشروط ميسرة لدعم الشباب والمرأة والجمعيات الخيرية والتعاونية، بهدف إقامة مشاريع إنتاجية مدرة للدخل ومشغلة للأيدي العاملة المحلية.
وأوضح أن قروض المشاريع الريادية الجديدة أو القائمة تتراوح بين 25 و75 ألف دينار، فيما تتراوح قيمة القروض الموجهة للفئات المختلفة بين 5 و25 ألف دينار، وبمدد سداد تصل إلى 7 سنوات ونسب مرابحة تتراوح بين صفر و5 بالمئة.
وبين أن الصندوق مول في الكرك منذ بداية العام وحتى الرابع من الشهر الحالي 125 مشروعاً بقيمة مليون و107 آلاف دينار، وفرت 222 فرصة عمل، مقابل تمويل 137 مشروعاً خلال عام 2025 بقيمة مليون و600 ألف دينار.
وتسهم مبادرة «إرادة» التابعة لوحدة تمويل المبادرات التنموية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، والتي تديرها الجمعية العلمية الملكية، في دعم الشباب وأصحاب الأفكار الريادية من خلال التدريب وبناء القدرات والاستشارات الفنية ودراسات الجدوى الاقتصادية المجانية. وتعمل المبادرة في الكرك على تأسيس نحو 100 مشروع سنوياً من أصل نحو ألف مشروع في المملكة، إلى جانب توفير خدمات تساعد المشاريع على الاستدامة، ونشر ثقافة الريادة وتحفيز التفكير الإبداعي وتطوير حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.
الكرك.. تطويع التحديات لإطلاق المشاريع الريادية
12:16 9-8-2026
آخر تعديل :
الأحد