في جنوب الأردن، حيث تتكامل خصوبة الأغوار مع إرث الكرك الزراعي والحضاري، تتشكل قصص نجاح تقودها نساء وشباب اختاروا العمل والإنتاج طريقاً لتحسين واقعهم وصناعة فرص جديدة، بعيداً عن انتظار الوظيفة.
من مشروع نسوي يعيد إحياء نبتة «النيلة» التاريخية ويستخرج منها صبغة طبيعية، إلى مشاريع زراعية وحيوانية صغيرة وفّرت دخلاً لأسر ريفية، ومبادرات شبابية في التشجير والعمل البيئي والمجتمعي، تتجسد نماذج حقيقية للتنمية المستدامة التي تبدأ من الإنسان والأرض.
غور الصافي.. إحياء التراث بلون أخضر
في غور الصافي، نجحت 16 سيدة في تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع بيئي وتراثي يقوم على الصباغة بالمواد الطبيعية، مستفيدات من تربة البحر الميت والنباتات المحلية، وفي مقدمتها نبتة «النيلة» التي يستخرج منها اللون الأزرق الطبيعي.
وتقول رئيسة جمعية سيدات غور الصافي نوفة النواصرة إن مشروع زراعة النيلة جاء باقتراح من فريق منظمة اليونسكو، لمعالجة غياب اللون الأزرق عن الصباغة الطبيعية في الأغوار والأردن، مشيرة إلى أن بذور النيلة استوردت من الهند، بعد مؤشرات أثرية أكدت وجود هذه النبتة في الأغوار منذ آلاف السنين.
وبدعم من اليونسكو عام 2019، تمكنت السيدات من زراعة مساحات من النيلة وإنتاج مسحوقها، في تجربة تجمع بين إحياء التراث الزراعي وحماية البيئة وتوفير مصدر دخل للمرأة الريفية.
وتوضح النواصرة أن استئجار الأراضي شكل تحدياً أمام استمرارية المشروع، قبل أن تحصل الجمعية على موافقة وزارة الزراعة لاستثمار أراضٍ غير مستغلة لمدة خمس سنوات، الأمر الذي خفف الأعباء المالية وساعد على استمرار الإنتاج.
وتطالب بتمديد مدة الاستثمار، مؤكدة أن المشروع يمثل تجربة ريادية على مستوى المملكة، باعتباره من المشاريع النسوية النادرة في زراعة النيلة، فضلاً عن مساهمته في إحياء موروث زراعي بأساليب صديقة للبيئة وموفرة للطاقة.
من الأرض.. شباب يصنعون الأثر
وفي مؤاب، تبرز تجربة المهندس علاء محمد الطراونة، الذي حوّل شغفه بالزراعة والعمل التطوعي إلى مسار تنموي يركز على خدمة المجتمع وتعزيز الوعي البيئي.
وجمع الطراونة بين تخصصه الأكاديمي والتطبيق العملي، فشارك في تنفيذ مشاريع زراعية وخدمية ومبادرات للتشجير وإنشاء وتطوير المتنزهات العامة، إلى جانب إقامة حدائق تعليمية وترفيهية في المدارس، وتنظيم دورات وورشات عمل بالتعاون مع المراكز الشبابية.
ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان يمثل الأساس لبناء مستقبل مستدام، وأن العقبات التي واجهته في بداية الطريق لم تكن سوى فرص للتعلم والتطور.
وكان لقاؤه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني خلال لقاء شبابي في محافظة الكرك محطة مهمة في مسيرته، منحه دافعاً إضافياً لمواصلة العمل لخدمة مجتمعه وتعزيز دور الشباب في التنمية.
واختير الطراونة رئيساً لمجلس التطوير التربوي لشبكة مدارس لواء مؤاب، في تجربة تعكس حضور الشباب في مواقع العمل المجتمعي والتربوي.
المرأة الريفية.. من الاعتمادية إلى الإنتاج
ولا تقتصر قصص النجاح على الأغوار ومؤاب، ففي التجمعات الريفية والنائية في لواء المزار الجنوبي، أسهمت المشاريع الإنتاجية في نقل نساء من دائرة الاعتمادية إلى المشاركة الفاعلة في تحسين دخل أسرهن.
وتقول انتصار الشماعين من بلدة الهاشمية إن حصولها على قرض بقيمة ثلاثة آلاف دينار من مؤسسة الإقراض الزراعي مكّنها من إنشاء حظيرة للأغنام والماعز والاستثمار في صناعة الألبان والأجبان وتسويقها، ما وفر لها دخلا ساعدها على سداد التزامات القرض ومساندة أسرتها.
وتطمح الشماعين إلى توسيع مطبخها الإنتاجي، في ظل الطلب على منتجات الألبان والأجبان ومشتقات الزيتون، كما بدأت بزراعة أشجار الزيتون والنباتات الطبية في أراضٍ تعود ملكيتها لأسرتها، لتشكل هذه الزراعة مشروعاً رديفاً لنشاطها الإنتاجي.
أما الشابة غادة الطراونة، الحاصلة على دبلوم من إحدى كليات المجتمع في الكرك، فاختارت ألا تنتظر طويلاً للحصول على وظيفة، وحصلت على قرض بقيمة خمسة آلاف دينار من مؤسسة الإقراض الزراعي، استثمرته في إنشاء مزرعة للأغنام والماعز ومطبخ لإنتاج الألبان والجميد والسمن البلدي.
وتؤكد أن المشروع وفر لها مصدراً للدخل وساعدها في إعالة نفسها وأسرتها، فيما تمكنت سيدة أخرى من تحسين دخل أسرتها من خلال مشروع لزراعة النباتات المنزلية والطبية، رغم محدودية إمكاناتها.
التسويق.. الحلقة الأضعف
ورغم نجاح هذه المشاريع، تجمع صاحباتها على أن التسويق يمثل التحدي الأكبر، إذ تظل منتجاتهن محصورة في الأسواق المحلية والمجتمعات القريبة، ما يحد من فرص التوسع والوصول إلى مستهلكين جدد.
وتطالب المستفيدات وزارة الزراعة ومديرياتها بتفعيل برامج التسويق والترويج للمنتجات الريفية، وربط أصحاب المشاريع بالأسواق والمهرجانات والمعارض، بما يساعد على توسيع قاعدة المستهلكين وفتح أسواق داخل المحافظة وخارجها.
وتؤكد هذه التجارب أن التنمية لا تبدأ دائماً من المشاريع الكبرى، بل قد تنطلق من حظيرة صغيرة، أو حقل نيلة، أو شجرة زيتون، أو مبادرة شبابية. فحين تتوافر الإرادة والتمويل والتدريب والتسويق، تتحول الأفكار البسيطة إلى مشاريع منتجة، وتصبح المرأة والشباب شريكين حقيقيين في بناء اقتصاد محلي أكثر قوة واستدامة.