الغرايبة: المشروعات الريادية يمكن أن تشكل خياراً مناسباً للشباب عوضاً عن انتظار الوظيفة
بالتزامن مع بدء الجامعات الرسمية والخاصة إقامة حفلات التخرج، يعيش آلاف الطلبة والخريجين فرحة الوصول إلى محطة طال انتظارها بعد سنوات من الدراسة والجهد، إلا أن هذه الفرحة لا تخلو لدى كثير منهم من مشاعر القلق والترقب لما بعد التخرج، في ظل تحديات سوق العمل وصعوبة الحصول على فرصة أولى تتيح لهم الانطلاق في حياتهم المهنية.
وفي السياق تقول خريجة تخصص إدارة الأعمال لين عودة، إن فرحة التخرج كانت أكبر من أن توصف، خصوصا بعد سنوات من الدراسة والضغط، لكنها سرعان ما ترافقت مع التفكير في الخطوة المقبلة، موضحة أن أكثر ما يشغلها حالياً هو الحصول على فرصة عمل تمنحها القدرة على تطبيق ما تعلمته واكتساب الخبرة.
وتضيف أن «التخرج لحظة جميلة جدا، لكن في اليوم التالي تبدأ الأسئلة الحقيقية: أين سأعمل؟ وهل سأجد فرصة في تخصصي؟ وكم سأحتاج من الوقت حتى أحصل على الخبرة المطلوبة؟»، مؤكدة أنها تسعى في الوقت نفسه إلى تطوير مهاراتها والالتحاق بدورات مهنية إلى جانب البحث عن وظيفة.
أما خريج تخصص الهندسة محمد الرواشدة، فيرى أن التخرج يمثل بداية أكثر منه نهاية، مشيرا إلى أن سنوات الجامعة منحته المعرفة الأكاديمية، لكن سوق العمل يحتاج إلى مهارات وتجارب عملية مختلفة.
ويقول إن فرحته بالتخرج لا تخفي قلقه من المنافسة على فرص العمل، خصوصاً مع اشتراط الخبرة في عدد من الوظائف، لافتاً إلى أنه مستعد للبدء من أي فرصة مناسبة تتيح له اكتساب الخبرة وبناء مساره المهني، حتى لو لم تكن الوظيفة الأولى بالمستوى الذي يطمح إليه.
وفي المقابل، خريجة تخصص تمريض سارة عبدالله، تبدو أكثر تفاؤلا بالمرحلة المقبلة، معتبرة أن سوق العمل تغير كثيرا ولم يعد محصورا في الوظائف التقليدية، وأن مجالات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى والعمل الحر تفتح أبوابا جديدة أمام الخريجين.
وتقول إن «الخوف طبيعي، لكن لا يجب أن يتحول إلى عائق» مؤكدة أنها تنظر إلى التخرج باعتباره فرصة لبدء مرحلة جديدة وتطوير مهاراتها، وتسعى إلى بناء خبرتها العملية من خلال التدريب والعمل في مشاريع مختلفة، بالتوازي مع البحث عن وظيفة.
ويرى التربوي قيصر الغرايبة أن لحظة الصعود إلى منصة التخرج تمثل واحدة من أثمن المحطات في حياة الإنسان، باعتبارها ثمرة سنوات من السهر والاجتهاد، مشيرا إلى أن فرحة الخريج بهذا الإنجاز تتزامن في كثير من الأحيان مع هاجس المستقبل والبحث عن فرصة عمل.
ويقول الغرايبة إن يوم التخرج يحمل مشاعر مزدوجة تجمع بين نشوة النجاح ورهبة المجهول، إذ ينتقل الخريج من عالم جامعي منظم إلى واقع مهني أكثر تعقيدا، في ظل تزايد أعداد الخريجين سنويا ومحدودية الفرص المتاحة، الأمر الذي يجعل القلق بشأن المستقبل حاضراً حتى في لحظة الاحتفال بالحصول على الشهادة.
ويشير إلى أن رحلة الخريج في سوق العمل المحلي تبدأ غالباً بمواجهة مجموعة من التحديات، في مقدمتها اشتراط الخبرة السابقة لدى العديد من مؤسسات القطاع الخاص، متسائلاً عن كيفية اكتساب الخريج للخبرة إذا لم يحصل على فرصة العمل الأولى.
ويضيف رغم أن بعض التخصصات تتضمن تدريبا ميدانيا خلال سنوات الدراسة، إلا أن الفجوة بين ما يتلقاه الطالب في الجامعة وما يتطلبه سوق العمل لا تزال قائمة في العديد من المجالات.
ويلفت الغرايبة إلى أن الضغوط التي يواجهها الخريج لا تقتصر على سوق العمل، بل تمتد احيانا إلى المحيط الاجتماعي، موضحاً أن بعض الخريجين قد يتعرضون خلال زيارات التهنئة إلى عبارات محبطة بدلا من كلمات الدعم والتشجيع، مثل الإشارة إلى ارتفاع أعداد العاطلين أو طول فترة الانتظار للحصول على وظيفة.
ويؤكد أن مثل هذه العبارات، وإن قيلت احيانا على سبيل المزاح، قد تترك أثراً سلبيا في نفسية الخريج، خصوصاً في بداية مرحلة جديدة من حياته يكون فيها بأمس الحاجة إلى الدعم والثقة والتحفيز، وليس إلى زيادة المخاوف والضغوط.
ويضيف أن استمرار البحث عن فرصة عمل لفترات طويلة يضع الخريج أمام تحدٍ آخر يتمثل في انخفاض الأجور التي تقدمها بعض فرص العمل المتاحة، والتي قد لا تتناسب مع مستوى التأهيل الأكاديمي أو الجهد الذي بذله خلال سنوات الدراسة، ما يدفع بعض الخريجين إلى إعادة التفكير في خياراتهم المهنية ومستقبلهم.
وبحسب الغرايبة، فإن هذه الظروف تدفع الخريج إلى التفكير في مجموعة من البدائل، من بينها مواصلة الدراسات العليا، أو الحصول على شهادات مهنية تعزز قدرته التنافسية، أو البحث عن فرص في الأسواق الخارجية، إضافة إلى الاتجاه نحو ريادة الأعمال والعمل الحر.
ويرى أن قصص النجاح العالمية تؤكد أن البدايات الصعبة لا تعني الفشل بالضرورة، إذ مر العديد من أصحاب التجارب الناجحة بمراحل من التعثر والرفض وعدم وضوح الطريق قبل أن يصلوا إلى ما حققوه من إنجازات، ما يجعل التحدي الحقيقي أمام الخريج يتمثل في قدرته على الاستمرار وتطوير ذاته وعدم الاستسلام للظروف الأولى.
ويشدد الغرايبة على أهمية أن يمتلك الخريج «خارطة طريق» واضحة للمرحلة التي تلي التخرج، تبدأ بالتخلص من الخطاب السلبي وعدم الاستسلام للمثبطات، ووضع أهداف محددة قابلة للتحقيق ضمن جدول زمني واضح، إلى جانب تطوير المهارات التقنية والمهارات الناعمة وإتقان اللغات، والاستفادة من فرص التدريب والتطوع والعمل المؤقت.
كما يؤكد أهمية بناء شبكة علاقات مهنية فاعلة، والاستعداد الجيد لمقابلات العمل واختباراته، والتحلي بالمرونة في التعامل مع الفرص المتاحة، وعدم حصر الخيارات في وظيفة تقليدية واحدة، معتبراً أن العمل الحر والمشروعات الريادية يمكن أن تشكل مسارات حقيقية أمام الشباب إذا امتلكوا المهارات اللازمة.