تصحو باكرا مع شروق الشمس، لتبدأ يوما جديدا من العمل الشاق، مدفوعة بإرادة لا تعرف الاستسلام، فهي تدرك أن مشروعها الصغير هو مصدر الدخل الوحيد لها ولأسرتها، بعد أن فرضت عليها الظروف تحمل مسؤولية إعالة أبنائها وتأمين مستقبلهم.
في إحدى المناطق الصحراوية بمحافظة المفرق، اختارت سيدة أن تواجه ظروفها الصعبة بالاعتماد على الذات، بدلا من انتظار المساعدة أو المعونة، فتوجهت إلى إحدى الجهات التمويلية وحصلت على قرض مكنها من إقامة مشروع لتربية الأبقار وإنتاج الحليب.
وتقول أمل طايل، إنها حصلت على قرض بقيمة (٢٠ ألف دينار)، استخدمته في تجهيز مزرعة لتربية الأبقار وإنتاج الحليب، الذي يتم تسويقه لمصانع الألبان في المحافظة وللمواطنين، مؤكدة أن المشروع حقق لها دخلا ساعدها على إعالة أسرتها وتوفير احتياجات أبنائها.
وتضيف أنها، وبعد نجاح المشروع الأول، تستعد حاليا للتوسع وإنشاء مزرعة أخرى، معتبرة أن المشروع شكل نقطة تحول في حياتها، ومكنها من تربية أبنائها وتعليمهم وتأمين مستقبلهم، حتى لا يواجهون الظروف الصعبة التي مرت بها.
ولا تقتصر قصص النجاح على المشاريع الزراعية، إذ تمكنت سيدة أخرى من تحويل مهارتها في الصناعات اليدوية إلى مصدر دخل، بعد أن تقدمت إلى إحدى الجهات التمويلية وحصلت على قرض صغير لتأسيس مشغل لصناعة القش والأشغال اليدوية والصوف.
وتقول الشابة ياقوت الربيعي، إنها حصلت على قرض استخدمته في تأسيس مشروعها الخاص، باعتباره وسيلة لتوفير دخل يساعد أسرتها، خصوصا أنها أرملة ولا يوجد لها مصدر دخل ثابت.
وتشير إلى أن بداية المشروع لم تكن سهلة، لأن الفكرة كانت جديدة نسبيا على المجتمع المحيط بها، إلا أن إقبال المواطنين على منتجاتها ازداد تدريجيا بعد أن أثبتت جودة مصنوعاتها وقدرتها على تنفيذ الطلبات في مواعيدها، الأمر الذي ساعدها على الانتقال من مرحلة الحاجة وانتظار المساعدة إلى مرحلة الاعتماد على مشروعها الخاص.
وبحسب الناطق الإعلامي باسم صندوق التنمية والتشغيل سعد الحديد، فإن حجم التمويل للمشاريع في محافظة المفرق منذ بداية العام وحتى اليوم بلغ نحو (٦٦٩) ألف دينار.
وأكد الحديد أن حجم التمويل شمل (٩٩) مشروعا، وفرت نحو (١٤٦) فرصة عمل، مشيرا إلى أن إجراءات التمويل لأي مشروع من المشاريع والقطاعات المشمولة تسير وفق التعليمات والقوانين وبكل سهولة ويسر، دون أي تعقيدات، بما يتيح للراغبين في إقامة مشاريع إنتاجية الاستفادة من البرامج التمويلية المتاحة.
وأوضح أن دعم المشاريع الصغيرة لا يقتصر على توفير التمويل، وإنما يمتد إلى تمكين أصحاب الأفكار من الدخول في العملية الإنتاجية وتحويل مشاريعهم إلى أنشطة اقتصادية قادرة على الاستمرار والتوسع، بما ينعكس على الأسر والمجتمع المحلي بصورة إيجابية.
وفي القطاع الزراعي، أكد مدير فرع مؤسسة الإقراض الزراعي في محافظة المفرق المهندس علي خزاعلة أن تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وحتى الكبيرة في المحافظة لا يحتمل أي تعقيد، ويسير بأبسط الإجراءات، دعما للتنمية وللمتقدمين، وبخاصة من فئة الشباب.
وأشار إلى أن القطاع الزراعي في محافظة المفرق واعد، وأن فرص الاستثمار فيه كبيرة، لافتا إلى أن مشاريع زراعية وحيوانية عديدة حققت نجاحات على مختلف المستويات.
ودعا خزاعلة إلى تعميق الاستثمار في القطاع الزراعي والاستفادة من الفرص المتاحة، لما يشكله هذا القطاع من أهمية في تحقيق الأمن الغذائي الوطني، فضلا عن دوره في توفير فرص العمل وتعزيز الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الوطني.
ومن بين قصص النجاح التي تحققت في محافظة المفرق قصة الشاب هاشم أبو كاشف، الذي قرر استثمار صوف الأغنام وتحويله من منتج مهمل إلى مادة يمكن الاستفادة منها في الصناعات المختلفة، حيث بدأ بجمع الصوف وإعداده وتجهيزه وتزويد المصانع المتخصصة به، فضلا عن وصول منتجاته إلى الأسواق الخارجية.
ويقول أبو كاشف إن مشروعه بدأ بفكرة بسيطة، لكنه آمن بإمكانية تحويلها إلى مشروع اقتصادي منتج، وبدأ العمل على تطويرها خطوة بعد أخرى، إلى أن تحولت الفكرة إلى مشروع يوفر فرص عمل ويسهم في تأمين مصدر دخل له، خصوصا أنه لا يعمل في وظيفة حكومية أو خاصة.
ويؤكد أن نجاح المشروع منحه حافزا للاستمرار والتوسع، معتبرا أن الإصرار على تطوير الفكرة والبحث عن احتياجات السوق كانا من أهم أسباب نجاح تجربته.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم عواد السالم أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل أحد المسارات المهمة لتنشيط الاقتصاد المحلي، خصوصا في المحافظات التي تواجه تحديات تتعلق بمحدودية فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة.
ويشير السالم إلى أن نجاح المشروع لا يرتبط فقط بحجم التمويل، وإنما بوجود فكرة قابلة للتطبيق ودراسة حقيقية لحاجة السوق وقدرة صاحب المشروع على الإدارة والتسويق والتطوير.
ويؤكد أن المشروع الناجح هو الذي يستطيع الانتقال من مجرد وسيلة لتوفير دخل لصاحبه إلى نشاط اقتصادي قابل للنمو والتوسع وتشغيل الآخرين.
ويضيف أن محافظة المفرق تمتلك فرصا استثمارية واسعة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والحرف والصناعات المرتبطة بالموارد المحلية، إلى جانب المشاريع التجارية والخدمية، الأمر الذي يستدعي توجيه التمويل نحو مشاريع إنتاجية ذات قيمة مضافة وقادرة على الاستمرار.
ويبين السالم أن من أهم عوامل نجاح المشاريع اختيار النشاط الذي يتناسب مع احتياجات السوق، وتقديم سلعة أو خدمة تتميز عن المنافسين، وعدم الاعتماد على المنافسة السعرية وحدها، إلى جانب الإدارة الجيدة لرأس المال والقدرة على التسويق والتخطيط للمستقبل.
وأكد استاذ علم الاجتماع الدكتور خالد فياض،أن قصص الأسر والشباب في المفرق،تثبت أن المشاريع الصغيرة لم تعد مجرد وسيلة للحصول على قرض أو مصدر دخل مؤقت، وإنما أصبحت بالنسبة للكثيرين وسيلة للخروج من دائرة الحاجة والاعتماد على الذات، وتحويل الأفكار والمهارات والإمكانات المحلية إلى مشاريع منتجة.