تبنى الدستور الأردني نظام الحكم النيابي، الذي يقوم على انتخاب مجلس النواب ليمارس السلطة باسم الشعب ونيابة عنه، دون أن يأخذ بمظاهر الديمقراطية شبه المباشرة التي تمنح المواطنين سلطة الاستفتاء على مشروعات القوانين أو التشريعات بعد إقرارها، بحيث يقتصر التعبير عن الإرادة الشعبية في المجال التشريعي على ممثلي الأمة داخل البرلمان، وفقا للآليات الدستورية المقررة.
ومن الطبيعي أن يرافق مناقشة القوانين وإقرارها جدل نيابي وشعبي واسع، وأن تتباين الآراء حول آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وأن يستمر هذا الجدل بعد دخول القانون حيز النفاذ. فانتقاد التشريعات يمثل أحد مظاهر الحياة الديمقراطية، باعتبار أن القوانين ليست نصوصاً مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية تخضع للنقاش والتقييم، وقد تختلف الآراء بشأن صياغتها أو مدى ملاءمتها أو آثارها العملية على المجتمع والاقتصاد والإدارة العامة.
غير أن ما يثير القلق هو انتقال النقاش من تقييم النصوص القانونية إلى التشكيك المسبق في نوايا الدولة ذاتها، بحيث يصبح الافتراض الأول عند صدور أي قانون جديد أو تعديل عليه أن السلطة الحاكمة ستستخدمه للمساس بالحقوق والحريات أو الإضرار بالأمن الوطني والسلم المجتمعي، فيصبح سوء النية هو الأصل، بينما تغدو الدولة مطالبة بإثبات حسن نيتها قبل أن تتاح الفرصة لاختبار التشريع وتطبيقه عمليا.
ولا يعني افتراض حسن النية أن الدولة -أيّ دولة- معصومة من الخطأ أو أن السلطات لا تنحرف في استعمال صلاحياتها. فالفكر الدستوري يقوم على إخضاع السلطة للقانون ومساءلتها عند الانحراف، لا على تحصينها من الرقابة. ويرى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن السلطة العامة أمانة لحماية الحقوق والحريات، وتفقد مشروعيتها إذا خرجت عن هذه الغاية، في حين يربط جان جاك روسو شرعية السلطة بتحقيق الإرادة العامة، بما يقتضي أن تتجه ممارسة السلطة إلى خدمة الصالح العام واحترام القانون. وانطلاقا من هذه المبادئ الفقهية، فإن إدارة الشأن العام في الدولة الأردنية تقوم على افتراض دستوري مؤداه أن السلطات العامة تمارس اختصاصاتها بحسن نية، وفي إطار أحكام الدستور.
ولم يقف مبدأ حسن النية في إدارة الدولة الأردنية عند حد التأصيل النظري، بل وجد تطبيقه العملي في الاجتهاد القضائي، سواء أمام المحكمة الدستورية أو القضاء الإداري. فقد استقر اجتهاد المحكمة الدستورية على مبدأ أساسي مؤداه أن القوانين التي يقرها مجلس الأمة وتصدر وفق الإجراءات الدستورية تتمتع بقرينة الدستورية، فلا يفترض عدم دستوريتها بمجرد الاختلاف حولها، وإنما تبقى نافذة وملزمة إلى أن تقضي المحكمة الدستورية بخلاف ذلك. كما استقر اجتهاد القضاء الإداري الأردني على أن القرار الإداري يتمتع بقرينة المشروعية، ويفترض أنه صدر مطابقا للقانون ومحققا للمصلحة العامة إلى أن يثبت العكس بحكم قضائي.
وفي المقابل، فإن افتراض حسن النية في إدارة الدولة الأردنية لا يتعارض مع حق المواطنين في الاعتراض على التشريعات التي تصدرها، بل يجد سنده في الدستور ذاته. فقد استحدثت التعديلات الدستورية لعام 2011 المحكمة الدستورية، وأوجدت آلية للطعن بعدم دستورية القوانين والأنظمة النافذة، ثم جاءت التعديلات الدستورية لعام 2022 لتيسر إجراءات الدفع بعدم الدستورية أمام محاكم الموضوع، بما يعزز حق التقاضي ويوسع من نطاق الرقابة الدستورية على التشريعات.
وتؤكد هذه الضمانات أن الدولة الأردنية لا تجعل قوانينها بمنأى عن الرقابة، وإنما تتيح إخضاعها للفحص الدستوري متى ثار شك جدي في مدى توافقها مع أحكام الدستور، بما يحقق التوازن بين افتراض حسن النية في ممارسة السلطة وضمان مساءلتها وفق أحكام الدستور والقانون، حماية للحقوق والحريات الأساسية.
إن قوة الدولة الأردنية لا تكمن في السعي إلى إرضاء جميع الآراء السياسية والشعبية، وإنما في قدرة مؤسساتها الدستورية على إدارة الاختلاف واحتواء الآراء المتباينة ضمن إطار القانون. فكلما ارتقى النقاش العام من التشكيك في النوايا إلى مناقشة النصوص التشريعية والعمل على تجويدها، ازدادت الثقة بالمؤسسات الوطنية وبقدرتها على خدمة الصالح العام. فالدولة القانونية لا تقوم على افتراض الكمال، وإنما على الإيمان بأن القانون هو الفيصل بين السلطة والفرد، وأن أي خلاف حول مضمون التشريع أو مدى دستوريته يجب أن يبقى خلافا قانونيا يحسمه الدستور والقضاء، لا أن يتحول إلى أزمة ثقة بالدولة وإداراتها الحكومية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
ومن الطبيعي أن يرافق مناقشة القوانين وإقرارها جدل نيابي وشعبي واسع، وأن تتباين الآراء حول آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وأن يستمر هذا الجدل بعد دخول القانون حيز النفاذ. فانتقاد التشريعات يمثل أحد مظاهر الحياة الديمقراطية، باعتبار أن القوانين ليست نصوصاً مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية تخضع للنقاش والتقييم، وقد تختلف الآراء بشأن صياغتها أو مدى ملاءمتها أو آثارها العملية على المجتمع والاقتصاد والإدارة العامة.
غير أن ما يثير القلق هو انتقال النقاش من تقييم النصوص القانونية إلى التشكيك المسبق في نوايا الدولة ذاتها، بحيث يصبح الافتراض الأول عند صدور أي قانون جديد أو تعديل عليه أن السلطة الحاكمة ستستخدمه للمساس بالحقوق والحريات أو الإضرار بالأمن الوطني والسلم المجتمعي، فيصبح سوء النية هو الأصل، بينما تغدو الدولة مطالبة بإثبات حسن نيتها قبل أن تتاح الفرصة لاختبار التشريع وتطبيقه عمليا.
ولا يعني افتراض حسن النية أن الدولة -أيّ دولة- معصومة من الخطأ أو أن السلطات لا تنحرف في استعمال صلاحياتها. فالفكر الدستوري يقوم على إخضاع السلطة للقانون ومساءلتها عند الانحراف، لا على تحصينها من الرقابة. ويرى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن السلطة العامة أمانة لحماية الحقوق والحريات، وتفقد مشروعيتها إذا خرجت عن هذه الغاية، في حين يربط جان جاك روسو شرعية السلطة بتحقيق الإرادة العامة، بما يقتضي أن تتجه ممارسة السلطة إلى خدمة الصالح العام واحترام القانون. وانطلاقا من هذه المبادئ الفقهية، فإن إدارة الشأن العام في الدولة الأردنية تقوم على افتراض دستوري مؤداه أن السلطات العامة تمارس اختصاصاتها بحسن نية، وفي إطار أحكام الدستور.
ولم يقف مبدأ حسن النية في إدارة الدولة الأردنية عند حد التأصيل النظري، بل وجد تطبيقه العملي في الاجتهاد القضائي، سواء أمام المحكمة الدستورية أو القضاء الإداري. فقد استقر اجتهاد المحكمة الدستورية على مبدأ أساسي مؤداه أن القوانين التي يقرها مجلس الأمة وتصدر وفق الإجراءات الدستورية تتمتع بقرينة الدستورية، فلا يفترض عدم دستوريتها بمجرد الاختلاف حولها، وإنما تبقى نافذة وملزمة إلى أن تقضي المحكمة الدستورية بخلاف ذلك. كما استقر اجتهاد القضاء الإداري الأردني على أن القرار الإداري يتمتع بقرينة المشروعية، ويفترض أنه صدر مطابقا للقانون ومحققا للمصلحة العامة إلى أن يثبت العكس بحكم قضائي.
وفي المقابل، فإن افتراض حسن النية في إدارة الدولة الأردنية لا يتعارض مع حق المواطنين في الاعتراض على التشريعات التي تصدرها، بل يجد سنده في الدستور ذاته. فقد استحدثت التعديلات الدستورية لعام 2011 المحكمة الدستورية، وأوجدت آلية للطعن بعدم دستورية القوانين والأنظمة النافذة، ثم جاءت التعديلات الدستورية لعام 2022 لتيسر إجراءات الدفع بعدم الدستورية أمام محاكم الموضوع، بما يعزز حق التقاضي ويوسع من نطاق الرقابة الدستورية على التشريعات.
وتؤكد هذه الضمانات أن الدولة الأردنية لا تجعل قوانينها بمنأى عن الرقابة، وإنما تتيح إخضاعها للفحص الدستوري متى ثار شك جدي في مدى توافقها مع أحكام الدستور، بما يحقق التوازن بين افتراض حسن النية في ممارسة السلطة وضمان مساءلتها وفق أحكام الدستور والقانون، حماية للحقوق والحريات الأساسية.
إن قوة الدولة الأردنية لا تكمن في السعي إلى إرضاء جميع الآراء السياسية والشعبية، وإنما في قدرة مؤسساتها الدستورية على إدارة الاختلاف واحتواء الآراء المتباينة ضمن إطار القانون. فكلما ارتقى النقاش العام من التشكيك في النوايا إلى مناقشة النصوص التشريعية والعمل على تجويدها، ازدادت الثقة بالمؤسسات الوطنية وبقدرتها على خدمة الصالح العام. فالدولة القانونية لا تقوم على افتراض الكمال، وإنما على الإيمان بأن القانون هو الفيصل بين السلطة والفرد، وأن أي خلاف حول مضمون التشريع أو مدى دستوريته يجب أن يبقى خلافا قانونيا يحسمه الدستور والقضاء، لا أن يتحول إلى أزمة ثقة بالدولة وإداراتها الحكومية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com