كتاب

أرقام صحية صادمة تبحث عن حلول عاجلة

في بلد يُعد نموذجاً للاستقرار في منطقة مضطربة، وملجأً لملايين الفارين من الحروب، يبقى المشهد الصحي في الأردن محكوماً ببعض الارقام التي تقشعر لها الأبدان، وتفرض نفسها بقوة على طاولة الحلول العاجلة، اذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض غير السارية ( المزمنة) تتسبب في نحو78 % من مجموع الوفيات في الأردن، وتتصدر أمراض القلب و الاوعية الدموية القائمة بنسبة 29%، يليها السرطان بنسبة 26%، فيما يسهم السكري في 5%، والأكثر إيلاماً أن نصف هذه الوفيات تحدث قبل سن السبعين، وما يزيد الطين بلّة أن هذه الأمراض ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة عوامل خطر تتفشى في المجتمع منها: الخمول البدني، والنظام الغذائي غير الصحي، وارتفاع ضغط الدم ومستوى السكر والدهنيات و زيادة الوزن و السمنة.

البيانات تشير بان الأردن جاء في المرتبة الأولى كأكثر دولة استخداماً للتبغ في منطقة الشرق الأوسط، بنسبة 36% بين البالغين، وبلغ انتشار التدخين بين الذكور 71%، وبين الإناث 29% والأخطر أن 8 من كل 10 رجال في الأردن يتعاطون منتجات التبغ، فيما سجلت نسبة مستخدمي التبغ في الفئة العمرية بين 15 و17 عاماً حوالي 31% ويقدر عدد المدخنين في الاردن بحسب المجلس الأعلى للسكان نحو 2.8 مليون عام 2025.

وباء السمنة يفتك بالصغار والكبار: اذ يعاني 38.5% من البالغين من السمنة، وترتفع بين النساء إلى 44% وبشكل عام، تصيب زيادة الوزن والسمنة 60% من البالغين، لكن الأخطر أن طفلاً من كل 3 أطفال بين 6 و12 سنة يعاني من زيادة الوزن أو السمنة، وبين المراهقين تبلغ النسبة قرابة 18%، ما يعني جيلاً ينمو بأمراض مزمنة منذ الصغر.

أزمة الصحة النفسية... عبء صامت: اذ يعاني قرابة 20% من الأردنيين من الاكتئاب والقلق، فيما بلغ عدد مراجعي مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية خلال عام واحد أكثر من23 ألف شخص وتتفاقم الأزمة مع نقص الخدمات وضعف جاهزية النظام الصحي، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي تحول دون التماس المساعدة.

3.5 مليون لاجئ وضغط لا يُطاق:

يستضيف الأردن حوالي 3.5 مليون لاجئ، محتلاً المرتبة الثانية عالمياً من حيث أعلى نسبة لاجئين للفرد، وقد انخفض عدد الأسرة في القطاع الصحي من 1.8 إلى 1.4 سرير لكل ألف شخص خلال العقد الماضي بسبب أزمات اللجوء المتلاحقة.

و في مفارقة مؤلمة و صادمة، بينما يعاني النظام الصحي من نقص حاد بالكوادر في بعض التخصصات، تواجه البلاد أزمة بطالة بين الاطباء غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى أن 9,000 طبيب عاطلون عن العمل، مما يعكس خللاً هيكلياً في توزيع الكوادر وتخطيط القوى البشرية العاملة.

في مواجهة هذه الأرقام، الحلول واضحة لكنها تحتاج إرادة سياسية واستثمارات جريئة: حملات وطنية للتوعية بأنماط الحياة الصحية، مع توسيع عيادات الإقلاع عن التدخين من 5 إلى 30 عيادة، وتنفيذ خطة وطنية للوقاية من السمنة، تعزيز خدمات الصحة النفسية بزيادة الميزانيات وتدريب الكوادر و إزالة الوصم الاجتماعي، إعادة هيكلة القوى العاملة الصحية لتوزيع الكوادر وتحفيز العمل بالمناطق النائية ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، توسيع مظلة التأمين الصحي ( التغطية الصحية الشاملة) لتشمل الفئات الأكثر احتياجاً، وضمان حصول الجميع على الخدمات الصحية الأساسية دون معاناة مالية، دعم القطاع الصحي لمواجهة أعباء اللجوء، عبر وفاء المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه المملكة.

خلاصة الكلام: الأرقام الصادمة ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح تزهق، وشباب يكبرون بأمراض مزمنة، وأسر تنفق مدخراتها على العلاج، وأطباء عاطلون يحلمون بممارسة مهنتهم. الأردن، الذي طالما كان نموذجاً في التضامن الإنساني، يستحق وقفة جادة لتحويل هذه الأرقام إلى قصص نجاح.

أمين عام المجلس الصحي العالي الأسبق