بين فرحتها بالعثور على أول دليل بشأن نجلها والقلق من مصيره المجهول، تعرفت عائلة الشاب الفلسطيني محمود عطا الله الدريملي (22 عاما) إلى ابنها المفقود منذ نحو 21 شهرا، في صورة نشرتها مجندة إسرائيلية عبر حسابها على منصة 'إنستغرام' قبل يومين.
وظهر الدريملي في الصورة مكبل اليدين ومعصوب العينين وتحيط به مجندتين إسرائيليتين، ما منح عائلته دليلا على أنه كان حيا وقت التقاطها، لكنه فتح أمامها بابا جديدا من الأسئلة بشأن مكان احتجازه ووضعه الصحي ومصيره الحالي.
وفقدت العائلة الاتصال بنجلها في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، خلال محاولته العودة من جنوب قطاع غزة إلى مدينة غزة، قبل أن يختفي أثره في ظل غياب أي معلومات رسمية بشأنه.
وفي ذلك الوقت، كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على منطقة تفصل بين جنوبي القطاع وشماله أطلق عليها اسم 'محور نتساريم'، وتقع جنوبي مدينة غزة، فيما انسحب منها مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
وكان الفلسطينيون القادمون من الجنوب الذين يحاولون عبور هذه المنطقة عرضة للقتل أو الاعتقال، فيما ظل مصير عدد من المعتقلين مجهولا دون أن يعرف ذووهم أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية.
ومنذ بداية حرب الإبادة الجماعية، أجبرت إسرائيل نحو مليوني فلسطيني، من أصل 2.4 مليون نسمة في قطاع غزة، على النزوح في ظروف كارثية، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية.
** فرحة ممزوجة بالألم
وتقول والدة الشاب الدريملي، للأناضول، إنها لم تتوقف منذ اختفائه عن مراجعة اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات المعنية لمعرفة أي معلومة عنه، إلا أنها كانت تتلقى في كل مرة الرد ذاته بعدم توفر معلومات.
وتضيف: 'عندما أراني ابني الآخر صورة محمود، طلب مني أن أتماسك قبل أن أشاهدها، وعندما رأيتها شعرت بالراحة لأنني عرفت أنه ما زال حيا، لكن في الوقت نفسه انكسر قلبي عندما رأيته مكبل اليدين ومعصوب العينين'.
وتابعت: 'هم يدّعون أنهم الجيش الأكثر أخلاقية، لكن أي أخلاق في نشر صور الأسرى بهذه الطريقة؟ هذه الصور لا تهين ابني، بل تهين من التقطها ونشرها'.
ورغم قسوة المشهد، تقول الأم إن الصورة منحتها بصيص أمل بعد أشهر طويلة كانت تخشى خلالها أن يكون نجلها قد قُتل دون أن تتمكن من توديعه.
وناشدت الأم المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان العمل على الكشف عن مصير ابنها ومكان احتجازه.
وتستكمل قائلة: 'أريد فقط أن أعرف أين هو، وأن أطمئن عليه. مثل آلاف الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن'.
**يوم اختفائه
وعن يوم اختفائه، قال والد محمود إن العائلة نزحت خلال أشهر الإبادة من مدينة غزة إلى مناطق جنوبي القطاع، لكن نجله وبعد عام على النزوح كان يصر دائما على العودة إلى منزله.
وأضاف: 'في الثاني من نوفمبر 2024 خرج في طريق عودته إلى غزة، ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخباره تماما. بحثنا عنه في المستشفيات، وراجعنا الصليب الأحمر، لكننا لم نحصل على أي معلومة'.
وأشار إلى أن أفراد العائلة تعرفوا على محمود فور مشاهدة الصورة المتداولة، قائلا: 'كانت مطابقة له تماما. شعرنا بالفرح لأنه حي، لكننا نريد أن نعرف أين يوجد وما مصيره'.
'بصيص أمل'
بدوره، قال شقيقه أحمد الدريملي إن العائلة تواصلت منذ اختفاء محمود مع جميع الجهات المعنية، دون الحصول على أي معلومات.
وأضاف للأناضول: 'الصورة التي نُشرت كانت مهينة، إذ ظهر فيها معصوب العينين ومكبل اليدين، لكننا تعرفنا عليه فورا، وكانت بالنسبة إلينا أول دليل على أنه لا يزال حيا'.
وتابع: 'بعد نحو عامين من الغياب الكامل، كانت هذه الصورة، رغم قسوتها، بصيص أمل'.
وطالب أحمد المؤسسات الدولية بالكشف عن مكان احتجازه، وتمكين عائلته من معرفة مصيره، مؤكدا أن 'هذا أبسط حق لأي إنسان'.
وأعرب عن أمله في أن تسهم الصورة في تحريك الجهود للكشف عن مكان تواجد شقيقه ومصيره، بعدما عاشت الأسرة طوال الفترة الماضية على وقع مخاوف مقتله.
ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو 9400 أسير حتى مطلع يوليو/ تموز الماضي، بينهم 1320 معتقلا تصنفهم إسرائيل ضمن 'المقاتلين غير الشرعيين'، إلى جانب معتقلين إداريين محتجزين دون تهمة أو محاكمة، وفق نادي الأسير الفلسطيني.
ولا يزال مصير مئات المعتقلين من قطاع غزة مجهولا، في ظل استمرار رفض السلطات الإسرائيلية الكشف عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية.
ووفق نادي الأسير الفلسطيني، توفي أكثر من 100 أسير فلسطيني منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، جراء سياسات التعذيب الممنهج، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل، والاعتداءات الجنسية، ونشر الأمراض، وعلى رأسها مرض الجرب (السكابيوس).
وبعد عامين، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق نار في 10 أكتوبر 2025، تخرقه إسرائيل بشكل يومي عبر عمليات القتل والاعتقال وتوسيع نطاق سيطرتها على أراضي القطاع.