خروقات إسرائيلية متواصلة تهدد التفاهمات
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب و«مجلس السلام» التوصل إلى تفاهمات بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، وسط استمرار الخلافات بشأن آليات التنفيذ وشروط الانتقال إلى المرحلة المقبلة.
وتشير المعطيات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية ومؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إلى أن حصيلة الخروقات الإسرائيلية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول 2025 تجاوزت 1216 شهيداً و3977 جريحاً، فيما شهد شهر تموز وحده استشهاد 147، بينهم 18 طفلاً و12 سيدة، جراء استهدافات طالت مناطق مدنية في القطاع.
وتحذر الجهات الفلسطينية من أن آلاف السكان يعيشون داخل منازل تضررت بفعل القصف أو فوق أنقاضها، في ظل غياب البدائل، ولا سيما الوحدات السكنية المتنقلة، ما يزيد المخاطر على المدنيين والنازحين الذين عاد بعضهم إلى مناطقهم رغم عدم صلاحية العديد من المباني للسكن.
وفي المقابل، يترقب الوسطاء بدء تنفيذ خارطة الطريق التي أعدها «مجلس السلام»، والتي تتضمن سلسلة من الإجراءات تبدأ بمهلة مدتها 14 يوماً منذ دخول الوثيقة حيز التنفيذ، تتوقف خلالها حركة حماس عن الأنشطة العسكرية، بما فيها تعزيز القدرات، على أن تبدأ بعدها خطوات مرتبطة بملف نزع السلاح.
وبحسب ما أوردته هيئة البث العام الإسرائيلية «كان 11»، فإن إسرائيل ليست طرفاً موقعاً على الوثيقة التي تم التوصل إليها بين حماس والوسطاء و«مجلس السلام»، لكنها مطالبة بالتزام وقف إطلاق النار وفق اتفاق شرم الشيخ الموقع في تشرين الأول 2025.
وأكد مسؤول في «مجلس السلام» أن التفاهمات لا تتضمن طلبات جديدة من إسرائيل، موضحاً أن «إسرائيل تحصل هنا على فرصة لرؤية حماس تتخلى عن سلاحها، وبإرادتها»، مشيراً إلى أن التحفظات الإسرائيلية ستؤخذ في الاعتبار خلال مراحل التنفيذ، وأن التفاصيل المتعلقة بالآليات والجداول الزمنية يفترض أن تحسم خلال الأسبوعين المقبلين.
وتتضمن الصيغة المقترحة، وفق مصادر إسرائيلية، وضع الأسلحة الثقيلة في مستودعات خاصة بعد تفكيكها وتحويلها إلى أجزاء غير قابلة للاستخدام، على أن تخضع هذه المستودعات لرقابة شرطة تابعة للجنة الوطنية لإدارة غزة، مع تدقيق أمني إسرائيلي لأفرادها، إضافة إلى إشراف قوة متعددة الجنسيات على العملية.
أما الأسلحة الخفيفة، فتشير المقترحات إلى بقائها ضمن إطار القانون الفلسطيني، بحيث تقتصر حيازتها على أسلحة شخصية مرخصة تصدر تراخيصها عن حكومة التكنوقراط الفلسطينية.
وفي ملف الانسحاب الإسرائيلي، تنص التفاهمات على وقف إطلاق النار مع بدء تنفيذ الإجراءات، فيما تخصص فترة تهدئة تمتد أسبوعين لاستكمال التفاصيل النهائية، على أن يبقى الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها إسرائيل مرتبطاً بما تصفه تل أبيب بـ"نزع كامل للسلاح».
وتكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف في ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، إذ تشير المعطيات إلى أن إسرائيل لا تشترط نزع السلاح قبل الانسحاب فقط، بل ترفض العودة إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها عند توقيع الاتفاق، وتطالب بالإبقاء على المناطق التي وسعت سيطرتها عليها خلال الأشهر الماضية ضمن شروط التفاوض.
وفي السياق السياسي، كشفت صحيفة «هآرتس» عن توتر بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والممثل عن «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، الذي لعب دوراً رئيسياً في صياغة المسار التفاوضي، مشيرة إلى أن لقاء جمع الطرفين مؤخراً وصف بأنه «سيئ جداً».
كما نقلت الصحيفة أن إسرائيل اختارت إيصال بعض اعتراضاتها إلى عضو «مجلس السلام» توني بلير بدلاً من ملادينوف، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لفتح قناة تفاوضية بديلة بشأن شروط التنفيذ.
وفي هذا الإطار، حذر مسؤولون إسرائيليون من احتمال اندلاع مواجهة سياسية مع واشنطن إذا أصرت إدارة ترامب على انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة قبل استكمال نزع سلاح حماس.
ونقلت القناة الإسرائيلية 13 عن مسؤولين قولهم إن إسرائيل «لن تنسحب مليمتراً واحداً قبل نزع سلاح حماس»، وربطوا هذا الموقف بالحسابات السياسية لنتنياهو مع اقتراب الانتخابات، مؤكدين أنه لن يوافق على أي انسحاب دون تحقيق هذا الشرط.
في المقابل، قال مسؤول أميركي كبير إن الرئيس الأميركي يتوقع «تعاوناً كاملاً» من إسرائيل، وإن تنفيذ الاتفاق سيبدأ خلال الأسابيع المقبلة، على أن تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولية القطاع بدلاً من حماس والسلطة الفلسطينية.
ووفق «هآرتس»، يواجه نتنياهو خيارين رئيسيين؛ الأول قبول الخطة رسمياً مع محاولة إبطاء تنفيذها وإضافة شروط جديدة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي، خصوصاً في ظل معارضة قوى اليمين المتطرف لأي انسحاب أو وقف للهجمات.
أما الخيار الثاني، فهو المضي في الاتفاق إذا رأى فيه فرصة لتحقيق مكاسب سياسية أوسع، لا سيما عبر فتح الطريق أمام ترتيبات إقليمية جديدة والتقدم في مسار التطبيع، وتقديم نفسه أمام الناخبين باعتباره قادراً على تحويل الحرب إلى إنجاز سياسي.
من جهتها، أكدت حماس والفصائل الفلسطينية أنها تعاملت «بمسؤولية وإيجابية» مع مقترحات الوسطاء، مشددة على أن تنفيذ المرحلة الثانية يجب أن يبدأ بوقف إسرائيل عمليات القتل والاعتداءات، واستكمال التزاماتها في المرحلة الأولى من الاتفاق.
بدورها، أكدت اللجنة الوطنية لإدارة غزة جاهزيتها لتولي مسؤولياتها في القطاع، مشيرة إلى أن أولوياتها تتمثل في استعادة عمل المؤسسات العامة، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتعزيز الأمن، والعمل بالتنسيق مع «مجلس السلام» ومكتب الممثل الأعلى وقوة الاستقرار الدولية.
وفي القاهرة، أكد مصدر أن مصر ستستضيف اجتماعاً قريباً للوسطاء بهدف التأكيد على التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال المصدر المقرب من جهاز المخابرات المصرية إن حماس والفصائل الفلسطينية أبلغت الوسطاء موافقتها على خارطة الطريق، مشيراً إلى أن الاجتماع المرتقب سيبحث آليات التنفيذ وضمان التزام الأطراف.
ويرى المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرنوت» رون بن يشاي أن خارطة الطريق ستبقي حماس، رغم فقدان جزء كبير من قدراتها العسكرية، الجهة الأقوى في غزة، معتبراً أن الخطة قد تقيد قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة عملياته.
وقال بن يشاي إن التفاهمات تمنح حماس مكاسب سياسية ومعنوية مقابل التخلي عن السلاح الذي دمرته إسرائيل عملياً، معتبراً أن الحكومة الإسرائيلية تظهر في صورة الطرف الذي يقدم التنازلات مقابل حصول حماس على مكاسب سياسية.
وفي ظل استمرار الغموض بشأن توقيع الاتفاق رسمياً، تتحول المرحلة المقبلة إلى اختبار مباشر لقدرة ترامب على إلزام إسرائيل بتنفيذ تفاهمات لم تعلن حكومة نتنياهو حتى الآن موافقتها الرسمية عليها، وسط خلاف جوهري بين الطرفين حول ترتيب الخطوات؛ إذ تطالب إسرائيل بنزع السلاح قبل الانسحاب، بينما تتمسك حماس بتنفيذ متبادل ومتدرج يبدأ بوقف الهجمات والانسحاب ونشر القوة الدولية.
في الميدان، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية رغم الحديث عن التفاهمات، حيث أفادت مصادر محلية بقصف منزل في مخيم المغازي وسط القطاع، ومنزل آخر لعائلة الناعوق في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة، إضافة إلى قصف مدفعي استهدف مناطق شرقي مخيم البريج، وإصابة فلسطيني برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقة مواصي رفح.
كما اضطر عدد من المواطنين إلى النزوح من محيط مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح عقب تهديدات إسرائيلية بإخلاء المنطقة، في استمرار للتحذيرات التي تطال المنشآت الطبية والمناطق المكتظة بالنازحين.
وأكدت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن استمرار هذه الخروقات يعكس، وفق وصفها، «سياسة ممنهجة» تستهدف المدنيين وتقويض مقومات الحياة في القطاع، داعية إلى تحرك دولي عاجل لحماية السكان وضمان المساءلة.
وبينما تتواصل الاتصالات السياسية لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار، يبقى سكان غزة عالقين بين وعود التسوية واستمرار العمليات العسكرية، في انتظار أن تتحول التفاهمات المعلنة إلى خطوات فعلية توقف نزيف الدم وتفتح الطريق أمام معالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة.