إن حدث ذلك، فإنه لا يعني أن معظم البشر سيصبحون بلا عمل قريباً، فتقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 يتوقع أن تؤدي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية إلى استحداث 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليون وظيفة حتى عام 2030، أي أن الزيادة الصافية بعدد الوظائف مقدارها 78 مليون وظيفة.
لكن المشكلة أن الوظائف الجديدة لن تذهب تلقائياً إلى أصحاب الوظائف المفقودة، لاختلاف المهارات والمواقع والأعمار والقدرة على التدريب، كما ترى منظمة العمل الدولية أن واحدة من كل أربع وظائف معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مع ترجيح تحول الوظائف ولكنها لن تختفي تماماً.
الأزمة، إذن، ليست في ندرة العمل وحدها، بل في انفصال النمو والتطور عن التوظيف، حيث تستطيع شركة رقمية تحقيق قيمة ضخمة بعدد محدود من العاملين، بينما كانت المصانع التقليدية تحتاج إلى آلاف العمال، وفي حال استمرار تركز ملكية التكنولوجيا والبيانات لدى أقلية صغيرة، فقد يزداد الإنتاج والثروة لهذه الفئة ولكن من دون أن تتحسن دخول الأغلبية، ما يوسع التفاوت ويضعف الطبقة الوسطى ويحول المواطنين من منتجين إلى متلقين للمساعدات أو عاملين في وظائف مؤقتة وهشة.
الحل هو يجب ألا يختزل في ترك السوق يعمل وحده، وهو تحدٍ حقيقي لليبرالية بكل معطياتها، فالليبرالية السياسية تقوم على حرية الفرد وكرامته وتكافؤ الفرص ومنع تركز القوة، سواء كانت بيد الدولة أو الشركات، ولذلك على الليبرالية أن تجد حلاً يتوافق مع رؤيتها السياسية والاقتصادية، بحيث لا يكون الحل بحماية كل وظيفة قديمة ولا بتأميم الاقتصاد، ولكن بتوزيع فرص الاستفادة من التكنولوجيا، وضمان حد أدنى من الأمان يمكن الإنسان من الانتقال بين المهن من دون السقوط اجتماعياً.
ويمكن أن يشمل هذا الحل تأميناً مرناً ضد البطالة، وتوفير فرص تدريب فردية تمولها الدولة وأصحاب العمل، وضريبة عادلة على الأرباح والاحتكارات الرقمية، وتوسيع ملكية الأسهم وصناديق الادخار، وربط الحماية الاجتماعية بالفرد لا بالوظيفة، أما فيما يتعلق بخيار الدخل الأساسي الشامل، فيمكن اختباره تدريجياً، لكنه لن يكون حلاً سحرياً، لأنه قد يصبح تعويضاً مالياً عن الإقصاء بدلاً من إعادة الناس إلى المشاركة الاقتصادية، أو تمكينهم من الاندماج بسوق العمل الجديدة وفق شروطها المتغيرة.
بالنسبة إلى الأردن، يبدأ التحدي أساساً من أن سوق العمل يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة، فقد بلغت بطالة الأردنيين 21.1% في الربع الأول من عام 2026، وارتفعت بين الأردنيات إلى 32.7%، وهذا يعني أن الأتمتة قد تصل قبل أن ينجح الاقتصاد الأردني بشكله الحالي باستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
لذلك فإن المطلوب اليوم هو استراتيجية استباقية تقوم على إعادة بناء التعليم المدرسي والجامعي حول المهارات الرقمية واللغات والتفكير النقدي، وتحويل كليات المجتمع إلى مراكز تدريب مستمر، ودعم قطاعات تستطيع تصدير خدماتها، مثل البرمجيات والصناعات الإبداعية والخدمات الصحية والتعليمية والسياحة المتخصصة، وتشجيع الشركات الوليدة الصغيرة والصغرى، كما ينبغي تشجيع الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجية العامل، وليس تلك التي تستبدله لمجرد خفض الأجور، وذلك عبر إعفاءات ضريبية ملحوظة.
وبسبب التطور المتسارع، يبدو أن أمام الوزارة الوليدة، وزارة التعليم وتنمية الموارد البشرية، تحدياً مستقبلياً يجب أن تكون جاهزة للتعامل معه عبر خطة استراتيجية مسبقة، كي لا يكون تغيير الاسم تعبيراً عن دمج وزارات وليس تعبيراً عن تغيير منهجي في تفكير الحكومة والدولة تجاه التحديات المستقبلية المتسارعة.
بالتأكيد لن يكون المواطن "غير ضروري" إذا بقيت قيمة الإنسان أكبر من سعر عمله في السوق، ولكن التحدي الحقيقي أمام الأردن هو بناء اقتصاد يجعل التكنولوجيا أداة لتوسيع قدرات المواطنين وملكيتهم وفرصهم، بدلاً من تحويلها إلى آلة لإقصائهم.