الأرقام التي عرضتها مديرة صندوق النقد الدولي تستحق التوقف عندها. فعلى الرغم من الحرب والاضطرابات في التجارة والطاقة، ما يزال صندوق النقد يتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% في عام 2026. لكن هذا النمو يأتي في بيئة اقتصادية شديدة الحساسية. فقد تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى نحو 10% فقط من مستواها قبل الحرب ومع ذلك لم يصل سعر النفط إلى 150 دولاراً للبرميل. وهذا يعكس قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع الصدمات لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم المخاطر التي أصبحت مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
المشكلة أن صدمة العرض تختلف عن صدمة الطلب، عندما يرتفع التضخم بسبب زيادة الطلب يستطيع البنك المركزي رفع أسعار الفائدة للحد من الإنفاق وبالتالي تخفيف الضغوط السعرية. أما عندما يأتي التضخم من ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف النقل أو اضطراب سلاسل الإمداد، فإن رفع الفائدة لا يزيد المعروض من النفط ولا يعيد حركة التجارة إلى طبيعتها ولا يخفض تكلفة النقل. لكنه يؤثر في الاستثمار والاستهلاك والائتمان والنمو.
وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يكون الدين العام مرتفعاً. فرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم لا يبقى تأثيره داخل القطاع الخاص، وإنما يصل إلى المالية العامة أيضاً. وكلما احتاجت الحكومة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من دينها بأسعار فائدة أعلى ارتفعت تكلفة خدمة الدين وارتفعت الحاجة إلى الإيرادات أو الاقتراض، وأصبح المجال المتاح للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار والبنية التحتية أكثر ضيقاً.
وهذه النقطة هي التي تجعل ما قالته جورجيفا مهماً بالنسبة إلى الأردن. فالدين العام العالمي أصبح عند أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية، ويتجه إلى تجاوز 100% من الناتج العالمي خلال هذا العقد. وفي الوقت نفسه، ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في الاقتصادات الكبرى إلى مستويات لم نشهدها منذ سنوات. عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات وصل إلى أعلى مستوى منذ عام 2007، والفرنسية إلى أعلى مستوى منذ عام 2008، واليابانية إلى أعلى مستوى منذ عام 1996.
هذه التطورات لا تتوقف عند حدود الاقتصادات الكبرى. فأسعار الفائدة العالمية تؤثر في تكلفة التمويل في بقية الاقتصادات خصوصاً الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض أو تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها بصورة مستمرة. ولذلك فإن ارتفاع الفائدة العالمية قد يتحول إلى ارتفاع في تكلفة خدمة الدين.
الأمر يصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى الأردن لأن اقتصادنا صغير ومفتوح ويتأثر سريعاً بما يحدث في الطاقة والتجارة والنقل والإقليم. ارتفاع أسعار النفط مثلاً لا يعني فقط ارتفاع فاتورة الطاقة، بل يمكن أن ينتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج والأسعار وقد يؤثر في الحساب الجاري والنشاط الاقتصادي. وإذا جاءت هذه الصدمة في وقت تكون فيه أسعار الفائدة مرتفعة والدين العام كبيراً، فإن الخيارات المتاحة أمام السياسة الاقتصادية تصبح محدودة.
لذلك لا يمكن معالجة كل صدمة اقتصادية من خلال زيادة الإنفاق الحكومي. الإنفاق قد يكون ضرورياً في بعض الظروف لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنفاق المؤقت إلى التزام دائم يمول بالاقتراض. عندها قد نعالج مشكلة اليوم ونضيف مشكلة جديدة إلى ميزانية الغد. وفي المقابل، لا يمكن تحميل السياسة النقدية وحدها مسؤولية التعامل مع صدمات تأتي أساساً من جانب العرض.
المطلوب هو أن تعمل السياسة المالية والنقدية ضمن إطار اقتصادي متناسق. سياسة مالية تضبط العجز وتبني هامشاً مالياً وسياسة نقدية تحافظ على استقرار الأسعار وإدارة دين تهتم بالكلفة والمخاطر والاستحقاقات، وسياسات اقتصادية ترفع الإنتاجية والاستثمار والنمو الحقيقي.
وهنا تكمن أهمية النمو. فخفض الدين لا يتحقق فقط من خلال تقليل الإنفاق أو زيادة الإيرادات. الاقتصاد الذي ينمو بسرعة أكبر يوسع قاعدة الإيرادات ويرفع قدرة الدولة على خدمة الدين ويجعل نسبة الدين إلى الناتج أكثر قابلية للانخفاض. ولذلك فإن قضية الدين في الأردن هي في جانب كبير منها قضية نمو وإنتاجية واستثمار.
الرسالة التي أراها في خطاب صندوق النقد واضحة. العالم يدخل مرحلة ستكون فيها الصدمات أكثر تكراراً، بينما أصبحت مستويات الدين أعلى، وأسعار الفائدة أكثر تأثيراً في المالية العامة. ولذلك فإن بناء الهامش المالي يجب أن يحدث في أوقات الاستقرار، وليس بعد وقوع الأزمة.
بالنسبة للأردن لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط أن تنخفض نسبة الدين في سنة معينة. الهدف الحقيقي هو أن يصبح الدين أقل تكلفة، وأطول أجلاً، وأقل تعرضاً لمخاطر إعادة التمويل، وأن يكون العجز الأولي تحت السيطرة، وأن يرتفع النمو الحقيقي بما يكفي لتوفير قاعدة اقتصادية أوسع لخدمة الدين.
الدولة التي تدخل الأزمة المقبلة بدين أقل وعجز مضبوط وآجال أطول وكلفة اقتراض يمكن تحملها، واقتصاد قادر على النمو ستكون أمامها خيارات أوسع. أما انتظار الأزمة ثم البحث عن المساحة المالية فهو غالباً أغلى الخيارات.