على امتداد أكثر من عشرين عاماً، عشت العمل الاجتماعي من زوايا متعددة؛ بدأت متطوعة، ثم عضوة في هيئات إدارية متعددة ورئيسة وأمينة سر وعضوة في أكثر من جمعية، ولاحقاً مستشارة للعديد من مؤسسات المجتمع المدني. اكتشفت خلال هذه الرحلة أن أكثر ما يميز العمل الاجتماعي ليس بساطته، بل تعقيده والتحديات والمفارقات الكبيرة التي تواجهه والتي تستحق التأمل.
فقد اعتدنا مثلاً أن نقيس نجاح المؤسسات الاجتماعية بعدد الخدمات التي تقدمها، أو بعدد المستفيدين، أو حجم التبرعات، أو كثرة الأنشطة، بينما نادراً ما نتساءل: لماذا تحقق بعض المؤسسات أثراً يفوق إمكاناتها، في حين تتعثر أخرى رغم توافر الموارد؟ تكمن الإجابة، في تقديري، في مجموعة من المفارقات التي ما زالت تحكم إدارة كثير من المؤسسات الاجتماعية.
أولى هذه المفارقات هي العلاقة بين التطوع والاحتراف المؤسسي. فالعمل التطوعي هو الروح التي قامت عليها المؤسسات الاجتماعية، وهو ما يمنحها قربها من الناس وثقة المجتمع بها. لكن في المقابل، فإن إدارة مؤسسة تعليمية، أو مركز رعاية، أو وقف تنموي، تتطلب كفاءات متخصصة، وأنظمة حوكمة، وإدارة مالية، وقدرة على التخطيط وقياس النتائج. والتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التطوع والعمل المهني، بل في القدرة على الجمع بينهما، بحيث يبقى التطوع مصدر قوة للمؤسسة، لا بديلاً عن الخبرة والكفاءة.
وقد أثبتت التجربة أن الحماس والرغبة الصادقة في عمل الخير، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لإدارة مؤسسة أو ضمان استدامتها، كما لا يكفيان للحفاظ على استقرار فرق العمل وتحقيق الأداء المؤسسي المطلوب. فالاحتراف لا يتعارض مع التطوع، بل هو الذي يمكنه من تحقيق أثر أكبر وأكثر استدامة. فالمؤسسات لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، وإنما تُدار بالكفاءات التي تحول تلك النوايا إلى أثر مستدام.
أما المفارقة الثانية فتتعلق بالتوظيف، فكثيراً ما يُطرح السؤال: هل ينبغي أن تكون الوظيفة أداةً للمساعدة الاجتماعية أم وسيلةً لتحقيق رسالة المؤسسة؟ وقد عايشنا في الأردن تجارب لمطابخ إنتاجية ومشاغل خياطة أُنشئت بهدف دعم الأسر الأكثر احتياجاً، إلا أن عدداً منها لم يستمر، لأن اختيار العاملين استند إلى معيار الحاجة أكثر من الكفاءة. وهنا تظهر المفارقة؛ فنجاح المشروع واستدامته هما الضمان الحقيقي لاستمرار تحقيق أهدافه الاجتماعية.
وتبرز مفارقة ثالثة في النفقات الإدارية، فكثيراً ما تُنتقد المؤسسات التي تنفق على الإدارة، بينما تُشاد تلك التي تخفض نفقاتها إلى الحد الأدنى. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فمن غير المنطقي أن تتحمل جمعية صغيرة ذات أنشطة محدودة متطلبات إدارية تستنزف مواردها، وفي المقابل لا يجوز خفض التكاليف على حساب جودة الخدمات، كتعيين أشخاص غير مؤهلين في دور الحضانة أو مراكز رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة أو كبار السن، فالإدارة الرشيدة لا تعني تقليل الإنفاق، بل توجيهه بما يخدم رسالة المؤسسة.
ومن القضايا الرئيسية والتي لا تحظى بالنقاش الكافي أيضاً دور التشريعات في تنظيم العمل التطوعي أو مراعاة خصوصية العمل في المؤسسات المجتمعية. فنحن نشجع الأفراد على المبادرة وخدمة المجتمع، لكننا لا نولي الاهتمام نفسه لتهيئة بيئة تنظيمية واضحة تمنح المتطوع الثقة وتحميه أثناء أداء دوره. فغياب الأطر التنظيمية الواضحة قد يدفع كثيرين إلى العزوف عن التطوع، خوفاً من الوقوع في الخطأ أو التعرض للمساءلة.
وربما تقودنا جميع هذه المفارقات إلى القضية الأهم، وهي قياس الأثر الاجتماعي الحقيقي في التحول الذي أحدثته المؤسسة الاجتماعية في حياة الناس، وفي القيمة التي أضافتها للمجتمع، وفي قدرتها على إحداث تغيير مستدام يتجاوز حدود المشروع نفسه.
هذه المفارقات لا تعكس مشكلات إدارية فحسب، بل تطرح سؤالاً أكبر: ما الدور الذي نريده لمؤسساتنا الاجتماعية؟ هل نريدها أن تبقى جهات تقدم المساعدات، أم نريدها شريكاً فاعلاً في التنمية وأن تؤدي دوراً فاعلاً في الاقتصاد الوطني وأن تكون مؤسسات تسهم في خلق قيمة اقتصادية واجتماعية، وأن يتكامل دورها مع دور الدولة والقطاع الخاص فلا ينبغي أن نحاسبها على حجم إنفاقها أو عدد أنشطتها فحسب، بل على قدرتها على تحويل الموارد إلى أثر، والأفكار إلى حلول، والمبادرات إلى تغيير مستدام.