اقتصاد

الدعم الحكومي للبترا.. حماية للقطاع السياحي وتحفيز للتعافي

أجمع خبراء اقتصاديون على أن حزمة القرارات التي أقرها مجلس الوزراء والمتعلقة بالقطاع السياحي في مدينة البترا تمثل خطوة استراتيجية من قبل الحكومة لدعم أحد أهم القطاعات الاقتصادية، وأحد أكثر القطاعات حراكًا اقتصاديًا، وأحد أهم مصادر العملات الأجنبية، لذلك فهي لا توفر حلولًا مالية مؤقتة فقط، وإنما تسهم أيضًا في حماية الوظائف، وتعزيز ثقة المستثمرين.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ(الرأي)، إلى أن الحزمة الحكومية تمثل استجابة مهمة وسريعة، لكنها تعالج جانب العرض أكثر من جانب الطلب. كما أن استدامة التعافي ستظل مرتبطة بعودة الحركة السياحية الإقليمية والدولية، واستقرار الأوضاع الجيوسياسية، وتعزيز حملات الترويج السياحي، وفتح أسواق جديدة، وزيادة الرحلات الجوية منخفضة الكلفة.
وتعكس حزمة القرارات التي أقرها مجلس الوزراء لدعم القطاع السياحي في إقليم البترا توجهًا حكوميًا للتخفيف من آثار التراجع الذي شهده القطاع خلال السنوات الأخيرة، عبر إجراءات تستهدف دعم المنشآت السياحية، والحفاظ على فرص العمل، وتعزيز استدامة النشاط السياحي، تمهيدًا لاستعادة زخمه مع تحسن الحركة السياحية.
وتضمنت الحزمة 11 قرارًا بكلفة تقدر بنحو 5 ملايين دينار تتحملها الحكومة، وشملت برامج لدعم أجور العاملين، وتأجيل أقساط القروض، وإعادة جدولة المستحقات الضريبية، ورسوم الكهرباء والمياه، إلى جانب إطلاق برامج سياحية جديدة تستهدف زيادة مدة إقامة الزوار، وتوسيع استهداف الأسواق العربية والدولية.
وقال رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، عدنان السواعير، إن البترا واجهت منذ عام 2019 تحديات متراكمة بدأت بتداعيات جائحة كورونا، وتواصلت مع الأزمات والاضطرابات الإقليمية التي انعكست بصورة مباشرة على حركة السياحة.
وأضاف أن الحزمة الحكومية تمثل خطوة غير مسبوقة، وحظيت بترحيب واسع من أبناء المنطقة والعاملين في القطاع، لما لها من أثر مباشر في دعم المنشآت السياحية وتحفيز النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أنها ستسهم في حماية وظائف أكثر من 1700 عامل في مختلف الأنشطة السياحية، وهو ما يشكل أولوية في ظل الظروف الراهنة.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن حزمة القرارات التي أقرها مجلس الوزراء والمتعلقة بالقطاع السياحي في مدينة البترا تمثل خطوة استراتيجية من قبل الحكومة لدعم أحد أهم القطاعات الاقتصادية، وأحد أكثر القطاعات حراكًا اقتصاديًا، وأحد أهم مصادر العملات الأجنبية، لذلك فهي لا توفر حلولًا مالية مؤقتة فقط، وإنما تسهم في حماية الوظائف وتعزيز ثقة المستثمرين.
وأشار عايش إلى أن ذلك يؤكد أن مدينة البترا ستتجاوز المرحلة الحالية، إذ إن الحكومة تستثمر في صمود القطاع باعتباره استثمارًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، تمهيدًا للانطلاق بقوة مع عودة النشاط السياحي.
ولفت عايش إلى أن هذه القرارات لها انعكاسات إيجابية، حيث إن أي دعم يقدم للقطاع يمتد أيضًا إلى القطاعات المساندة.
وذكر عايش أن الحكومة، من خلال حزمة القرارات التي قدمتها للقطاع السياحي، تحافظ على أكثر من 1700 فرصة عمل، وأن إعادة العاملين إلى وظائفهم تحت مظلة الضمان الاجتماعي تسهم في استمرار القوة الشرائية، والحفاظ على معدل دوران الدورة الاقتصادية داخل الإقليم.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أنه يمكن النظر إلى حزمة القرارات الحكومية المتعلقة بالقطاع السياحي على أنها برنامج تدخل حكومي موجه للحفاظ على قطاع استراتيجي وحيوي بالنسبة للاقتصاد الأردني والناتج المحلي الإجمالي، أكثر من كونها إجراءات دعم حكومية مؤقتة. فهذه الإجراءات تستهدف معالجة أزمة السيولة التي تواجه المنشآت السياحية في مدينة البترا، وفي الوقت نفسه المحافظة على الوظائف والحد من خسائر الاقتصاد المحلي إلى حين تعافي القطاع السياحي.
ويتمثل الأثر الاقتصادي المتوقع لهذه القرارات، بحسب مخامرة، في الحفاظ على فرص العمل ودعم أجور ما يقارب 1600 عامل، وإعادة 280 عاملًا موقوفًا عن العمل، الأمر الذي سيحد من فقدان الوظائف ويحافظ على الخبرات المتخصصة في القطاع السياحي.
وأضاف أن هذه القرارات ستسهم كذلك في تحسين مستوى السيولة لدى المنشآت السياحية، حيث إن تأجيل أقساط القروض، وإعادة جدولة الضرائب، ومستحقات الكهرباء والمياه، وتحمل الحكومة كلفة الفوائد، سيمنح المنشآت السياحية متنفسًا ماليًا يمكنها من الاستمرار في أعمالها بدلًا من الإغلاق أو تقليص النشاط.
وأضاف أيضًا أن هذه الإجراءات، بحسب مخامرة، ستسهم في تقليل حالات التعثر والإفلاس، إذ سترتفع قدرة المنشآت على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية، مما يحد من مخاطر التعثر التي قد تمتد آثارها إلى القطاع المصرفي والموردين.
وذكر أن بعض هذه الإجراءات ستؤدي إلى تنشيط الاقتصاد المحلي في مدينة البترا، حيث يرتبط القطاع السياحي بعشرات الأنشطة الاقتصادية، مثل النقل، والمطاعم، والحرف اليدوية، والأسواق التجارية، وشركات السياحة.
وأضاف أن التوجه نحو رفع تنافسية مدينة البترا، من خلال إطلاق برامج سياحية جديدة وتنويع الأسواق المستهدفة، يساعد على زيادة مدة إقامة السائح ومتوسط إنفاقه، وهو ما يرفع العائد الاقتصادي من كل زائر، بدلًا من التركيز على زيادة أعداد الزوار فقط.
إلا أن هذه الحزمة الحكومية، بحسب مخامرة، تمثل استجابة مهمة وسريعة، لكنها تعالج جانب العرض أكثر من جانب الطلب. كما أن استدامة التعافي ستظل مرتبطة بعودة الحركة السياحية الإقليمية والدولية، واستقرار الأوضاع الجيوسياسية، وتعزيز حملات الترويج السياحي، وفتح أسواق جديدة، وزيادة الرحلات الجوية منخفضة الكلفة.
ولفت إلى أن السياحة ليست مجرد قطاع خدمي، بل هي أحد أهم مصادر الدخل القومي والنقد الأجنبي في الأردن، وتتميز بعدة أبعاد اقتصادية، إذ يعد القطاع السياحي من أهم مصادر العملات الأجنبية، بما يدعم احتياطيات المملكة من العملات الأجنبية ويخفف الضغط على ميزان المدفوعات.
وبيّن أن القطاع يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل بشكل مباشر وغير مباشر، خصوصًا للشباب والنساء. كما أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين القطاع السياحي وعدد من القطاعات الاقتصادية المساندة، مثل النقل، والطيران، والمطاعم، والتجارة، والحرف التقليدية، والخدمات المالية. كذلك يسهم القطاع السياحي في تنمية المحافظات والمجتمعات المحلية، ولا سيما المناطق التي تعتمد بشكل كبير على السياحة، مثل البترا، ووادي رم، والعقبة.
وأضاف أن القطاع السياحي يدعم الإيرادات الحكومية من خلال الضرائب والرسوم، ويزيد من مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن حزمة القرارات الحكومية الخاصة بالقطاع السياحي في إقليم البترا تمثل تدخلًا اقتصاديًا في التوقيت المناسب، إذ تضم 11 قرارًا بكلفة تبلغ 5 ملايين دينار، وتستهدف حماية نحو 1600 فرصة عمل. وتشمل الحزمة دعم أجور قرابة 900 عامل بنسبة 50%، ودعم أكثر من 500 عامل في سلاسل الفنادق العالمية بنسبة 35%، إلى جانب إعادة 280 عاملًا موقوفًا عن العمل إلى وظائفهم لمدة ستة أشهر، بما يحد من فقدان الخبرات السياحية ويحافظ على دخل مئات الأسر في الإقليم.
وأوضح الحدب أن أهمية الحزمة تظهر عند مقارنة أعداد الزوار الأجانب تاريخيًا؛ فقد استقبلت البترا نحو مليون و179 ألف زائر أجنبي عام 2019، وارتفع العدد مجددًا إلى 985.7 ألف زائر عام 2023، قبل أن يتراجع بنسبة 74% إلى 257.3 ألف زائر عام 2024. ورغم ارتفاع العدد بنسبة 45% خلال عام 2025 إلى 373.8 ألف زائر أجنبي، فإنه ما يزال يعادل نحو 37% فقط من مستوى عام 2019، ما يعني أن القطاع استعاد جزءًا من نشاطه، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي الكامل.
وأشار الحدب إلى أن إجمالي زوار البترا ارتفع خلال عام 2025 بنسبة 27% ليصل إلى 582.6 ألف زائر، مقارنة مع 457.2 ألف زائر عام 2024، وشكل الأجانب نحو 64% من إجمالي الزوار. وفي المقابل، فإن نحو 85% من السياح الأجانب القادمين إلى الأردن يضعون البترا ضمن برامجهم، ما يجعل اقتصاد الإقليم شديد الارتباط بحركة الطيران والسياحة الدولية، ويفسر سرعة انتقال أي اضطراب إقليمي إلى نسب الإشغال الفندقي، والمطاعم، والنقل، والأدلاء السياحيين، ومحال الحرف.
وأضاف أن دعم البترا لا يمثل قضية محلية فقط، لأن السياحة حققت للأردن خلال عام 2025 دخلًا بلغ نحو 5.5 مليار دينار، واستقطبت قرابة 7 ملايين زائر دولي، وأسهم الدخل السياحي بما يقارب 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الدخل السياحي تراجع خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 5.3% إلى نحو 3.5 مليار دولار، نتيجة انخفاض الإيرادات من الزوار الأوروبيين بنسبة 28.2%، والأميركيين بنسبة 25.6%، بينما ارتفعت الإيرادات من السياح العرب بنسبة 6.5%، وهو ما يؤكد أهمية تنويع الأسواق وعدم الاعتماد المفرط على السياحة الأوروبية والأميركية.
وأوضح الحدب أن أكبر مكونات الحزمة يتمثل في تحمل الحكومة نحو 2.27 مليون دينار من فوائد تأجيل أقساط قروض المنشآت السياحية لمدة عام، أي ما يعادل نحو 45% من الكلفة الإجمالية للحزمة. كما تتضمن إعادة جدولة الضرائب مع إعفاء بنسبة 100% من الفوائد والغرامات عند التقسيط لمدة سنة، و50% عند التقسيط لمدة سنتين، إلى جانب إعفاء كامل من فوائد وغرامات مستحقات الكهرباء والمياه، وهي إجراءات تعالج أزمة السيولة، وتخفض احتمالات التعثر والإغلاق وتسريح العاملين.
وأكد أن المطلوب بعد حماية المنشآت هو زيادة العائد الاقتصادي من كل زائر؛ فتذكرة دخول البترا للزائر المقيم في الأردن تبلغ 50 دينارًا ليوم واحد، و55 دينارًا ليومين، و60 دينارًا لثلاثة أيام. وهذا الفارق المحدود في سعر التذكرة يمنح فرصة لتصميم برامج تشجع السائح على إضافة ليلة أو ليلتين، لأن القيمة الأكبر لا تأتي من رسم الدخول وحده، بل من الإنفاق على الفنادق، والمطاعم، والنقل، والتسوق، والأدلاء، والتجارب الثقافية.
ولفت الحدب إلى ضرورة توجيه التسويق وفق بيانات الأسواق الفعلية؛ فقد تصدر الأميركيون زوار البترا الأجانب عام 2025 بنحو 53.8 ألف زائر، تلاهم الروس بـ32.3 ألف زائر، والبريطانيون بـ28 ألفًا، والفرنسيون بـ26.8 ألفًا، والإيطاليون بـ26.3 ألفًا. واستحوذت هذه الأسواق الخمسة على نحو 45% من إجمالي الزوار الأجانب، ولذلك ينبغي استعادة الرحلات والحجوزات منها، بالتوازي مع حملات مخصصة لدول الخليج والأسواق العربية التي أظهرت مرونة أكبر خلال النصف الأول من عام 2026.
وأضاف أن السياحة الداخلية توفر خط دفاع مهمًا، إذ زار البترا خلال عام 2025 نحو 161.5 ألف أردني، كما سجل برنامج «أردننا جنة» نحو 73.8 ألف زيارة. إلا أن السياحة المحلية لا تستطيع وحدها تعويض تراجع الأسواق الأجنبية مرتفعة الإنفاق؛ لذلك يجب ربط البترا بالعقبة ووادي رم ضمن برامج تمتد من ثلاث إلى خمس ليالٍ، وتطوير الفعاليات المسائية، خصوصًا بعد رفع عدد أيام برنامج «البترا ليلًا» من ثلاثة إلى خمسة أيام أسبوعيًا.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن مبلغ 5 ملايين دينار يجب النظر إليه باعتباره استثمارًا في استمرارية القطاع، وليس مجرد دعم مالي مؤقت. ويجب قياس النتائج خلال 12 شهرًا من خلال أربعة مؤشرات، هي: عدد الوظائف المحمية، ونسب الإشغال الفندقي، ومتوسط مدة الإقامة، ومتوسط إنفاق الزائر. فالنجاح الحقيقي لا يقتصر على منع إغلاق المنشآت، بل يتمثل في إعادة البترا تدريجيًا إلى مستويات ما قبل الأزمات، وتحويل كل ليلة إضافية يقضيها السائح إلى دخل للمجتمع المحلي وإيرادات للاقتصاد الوطني.