تشهد منصات التواصل الاجتماعي المختلفة تصاعدا غير مسبوق في نشر الأخبار والمعلومات وتبادلها، الأمر الذي جعلها في الوقت ذاته بيئة خصبة لتداول الشائعات والأخبار المضللة وحملات اغتيال الشخصية، والتي قد لا تستهدف الأفراد فحسب بل قد تمتد آثارها إلى زعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية وإثارة البلبلة داخل المجتمعات.
الاستقواء على الدولة عبر حملات منظمة لنشر المعلومات المضللة أو التشكيك بالمؤسسات أو استهداف الشخصيات العامة من خلال اتهامات غير موثقة، بات يشكل تحديا متزايدا يستدعي رفع مستوى الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات.
فالشائعة لم تعد مجرد خبر غير دقيق بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة تستخدم للتأثير على الرأي العام وإرباك المجتمعات مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى عبر المنصات الرقمية.
كما أن الأخبار المزيفة غالبا ما تعتمد على عناوين مثيرة أو صور وفيديوهات مجتزأة أو معلومات منقوصة بما يؤدي إلى تشكيل انطباعات خاطئة لدى المتلقي قبل التحقق من صحة الوقائع، حيث أن انتشار الشائعة في الأوقات الحساسة سواء خلال الأزمات الاقتصادية أو الأحداث الأمنية أو الكوارث الطبيعية يضاعف من آثارها السلبية ويزيد من حالة القلق المجتمعي.
في الاطار ذاته يمثل اغتيال الشخصية أحد أخطر أشكال التضليل الإعلامي، إذ يقوم على نشر ادعاءات أو معلومات غير مثبتة بقصد الإساءة إلى السمعة أو التأثير على المكانة الاجتماعية أو المهنية للأفراد.
فيما يؤكد مختصون أن هذه الحملات قد تستهدف مسؤولين أو إعلاميين أو شخصيات عامة أو حتى مواطنين عاديين، مستفيدة من الانتشار السريع للمحتوى الرقمي وصعوبة احتواء المعلومات الخاطئة بعد تداولها على نطاق واسع، مشيرين الى أن نشر الاتهامات دون أدلة أو أحكام قضائية نهائية يتعارض مع مبادئ العدالة وسيادة القانون ويشكل اعتداء على الحقوق الشخصية وقرينة البراءة.
وحذروا من أن أي محاولة لبث الشائعات بصورة ممنهجة بهدف تقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية أو نشر حالة من الإحباط العام قد تؤثر سلبا في تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية أو الاقتصادية وإنما أيضا بمتانة العلاقة القائمة على الثقة بينها وبين المواطنين وهو ما يجعل مكافحة المعلومات المضللة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام والمجتمع، وأضافوا، الإعلام
والصحافة المهنية تبقى من أهم أدوات مواجهة الأخبار الكاذبة من خلال الالتزام بالدقة والتحقق من المصادر وإتاحة المعلومات للرأي العام بصورة سريعة وشفافة.
بدوره قال الباحث القانوني والامني الدكتور مصطفى عواد أن جزءا من حملات التضليل الإلكتروني تعتمد على شبكات من الحسابات الوهمية أو الحسابات الآلية التي تعمل على إعادة نشر المحتوى المضلل بصورة مكثفة لإظهاره وكأنه يمثل رأيا عاما، مشيرا الى أهمية تطوير أدوات الرصد الاعلامي والرقمي، وتعزيز التعاون بين الجهات المختصة ومنصات التواصل الاجتماعي للحد من انتشار المحتوى المخالف للقوانين أو الذي يهدف إلى التضليل المنظم.
فيما أكد استاذ علم اجتماع الجريمة الدكتور خالد الجبول أن المواطن الواعي يمثل الحلقة الأهم في مواجهة الشائعات من خلال عدم إعادة نشر أي معلومة قبل التأكد من مصدرها، لافتا الى ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية ووسائل الإعلام المهنية.
وأضاف، التصدي للشائعات والأخبار المزيفة لا يتحقق عبر الإجراءات القانونية وحدها، وإنما يتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل ومؤسسات التعليم والأسرة، بما يعزز ثقافة المسؤولية في تداول المعلومات.
وتابع، إن حرية التعبير قيمة أساسية تقترن بالمسؤولية واحترام القانون، مبينا أن النقد الموضوعي المبني على الحقائق يختلف عن نشر الادعاءات أو التشهير أو بث المعلومات المضللة الكاذبة.
ولفت الجبول الى أن مواجهة الشائعات والأخبار المزيفة وحملات اغتيال الشخصية تمثل ضرورة وطنية ومجتمعية، لما لها من تأثير مباشر في الثقة العامة والاستقرار الاجتماعي، مؤكدا أن تعزيز الوعي الإعلامي وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات ودعم الإعلام المهني والالتزام بسيادة القانون تمثل جميعها ركائز أساسية لحماية المجتمع من مخاطر التضليل.