بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاع الأزمة السورية، نجح الأردن في إدارة واحدة من أكبر وأطول الاستجابات الإنسانية في المنطقة، وحقق توازنًا بين واجبه الإنساني واستقراره الوطني. وخلال هذه السنوات، انصبّ الاهتمام على اللاجئين والتمويل والخدمات، بينما بقي أثر آخر بعيدًا عن النقاش، وهو الرأسمال البشري الأردني الذي تشكّل داخل القطاع الإنساني.
فقد استقطبت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والوطنية آلاف الأردنيين، خاصة من الشباب وحديثي التخرج، وأتاحت لهم فرصًا للعمل والتدريب في مجالات متخصصة، مثل إدارة المشاريع والمنح، والرصد والتقييم، وتحليل البيانات، والتعليم في الطوارئ، والتعليم الدامج، والحماية، وإدارة الحالات، والدعم النفسي والاجتماعي، والمشتريات، واللوجستيات، وبناء الشراكات، والتنسيق مع الحكومات والمانحين. ومع مرور الوقت، أصبحت الكفاءات الأردنية تمتلك خبرات نوعية وفق المعايير الدولية، وأصبحت مطلوبة في برامج إنسانية وتنموية داخل المنطقة وخارجها.
ورغم أن الأزمة السورية كانت مأساة إنسانية، فإنها أسهمت، بصورة غير مباشرة، في بناء جيل من المهنيين الأردنيين يمتلك خبرة استثنائية. واليوم، ومع تراجع التمويل الدولي، وبدء عودة أعداد من اللاجئين، واقتراب انتهاء عدد من المشاريع، يبرز سؤال ملح: من سيحمي هذه الكفاءات؟
لقد كشفت أزمة تراجع التمويل الدولي هشاشة هذا القطاع، بعد توقف برامج وتأثر مؤسسات وفقدان موظفين لوظائفهم. وإذا كانت أزمة تمويل واحدة قد أحدثت هذا الأثر، فكيف سيكون المشهد مع استمرار انحسار العمل الإنساني؟
ويزداد هذا التساؤل أهمية عند الحديث عن الكفاءات التي أمضت سنوات في مخيمي الزعتري والأزرق، أو في برامج التعليم، والحماية، والصحة، وسبل العيش، والمياه والإصحاح، وإدارة المعلومات. فهل ستغادر هذه الخبرات سوق العمل مع انتهاء المشاريع، أم أن الوقت قد حان لاستثمارها في أولويات التنمية الوطنية؟
واللافت أن الأردن لا يمتلك، وفق البيانات المنشورة، قاعدة وطنية توضح حجم القوى العاملة في القطاع الإنساني، أو تخصصاتها، أو مدى تأثرها بتراجع التمويل. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن التخطيط لمرحلة ما بعد العمل الإنساني دون معرفة حجم رأس المال البشري الذي تشكل خلالها؟
المطلوب اليوم ليس الإبقاء على المشاريع إلى الأبد، بل الحفاظ على الاستثمار الذي بُني في الإنسان الأردني. فهذه الخبرات يمكن توظيفها في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وتحديث القطاع العام، وإدارة الأزمات، والحماية الاجتماعية، والتعليم، والتحول الرقمي، بل وحتى تصدير الخبرة الأردنية إلى الدول التي تواجه أزمات مشابهة.
ولتحقيق ذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استراتيجية وطنية للانتقال من العمل الإنساني إلى التنمية، تقودها الحكومة بالشراكة مع المانحين والمنظمات الدولية، وترتكز على إنشاء قاعدة بيانات للكفاءات الإنسانية، وإطلاق برامج للانتقال الوظيفي وإعادة التأهيل، وربط هذه الخبرات باحتياجات القطاعين العام والخاص، وتعزيز دور المنظمات الوطنية، وإنشاء مركز وطني أو إقليمي للتميز في العمل الإنساني وإدارة الأزمات.
لقد نجح الأردن في إدارة الأزمة، لكن النجاح الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بإنهاء الاستجابة الإنسانية، بل بقدرته على تحويل الإرث الذي خلفته إلى فرصة تنموية مستدامة، تضمن ألا تكون الكفاءات التي بُنيت خلال خمسة عشر عامًا من ضحايا انتهاء المشاريع، بل أحد أهم مكاسب الأردن للمستقبل.