وهنا تتسع الفجوة بين المثقف والجمهور: لماذا لم يعد صوت المثقف يصل كما كان؟ ومن المسؤول عن هذه المسافة؟ وهل نحن أمام تراجع لدور المثقف أم أمام تحول في مفهوم الثقافة وأدواتها؟
في تقاليدنا التعليمية والمعرفية، طالما رفعنا شعار النهضة بالثقافة، وربطنا التقدم بالعلم والمعرفة والوعي. لكن واقعنا العربي يكشف عزوفًا متزايدًا عن الإنصات للمثقفين، حتى إن بعضهم لا يحظى بالاعتراف الواسع إلا بعد أن يحصل على شهادة اعتراف من خارج العالم العربي. وهذه مفارقة مؤلمة، إذ كيف يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله إذا كان لا يصغي إلى مفكريه ومثقفيه، ولا يمنحهم المساحة التي يستحقونها؟
ومع ذلك، فإن المشهد العربي ليس خاليًا من الإرهاصات الإيجابية. فهناك اليوم نقاش متزايد حول مشروع حضاري عربي، وحول الدولة والمجتمع والهوية وشكل المستقبل الذي نريده. وقد ظهرت في عدد من الدول العربية تجارب ومحاولات تستحق القراءة والنقاش. ففي تونس، مثلًا، أفرزت التحولات السياسية نقاشات عميقة حول الدولة والمجتمع والثقافة. وفي الأردن، أسهمت الأوراق النقاشية الملكية في فتح مساحة مهمة للنقاش حول الدولة المدنية، وسيادة القانون، والمواطنة، والهوية للدولة والتحديث السياسي ودور الشباب.
والأهم من ذلك أن تيارات وأفكارًا جديدة بدأت تظهر وهي تحمل شعارات التحضر والتغيير، وما يميز بعض هذه الإرهاصات أنها تفتح المجال أمام المجتمعات نفسها للمشاركة في التفكير بمستقبلها، وبالشكل الذي تريده للدولة والمجتمع والأجيال المقبلة.
في هذا السياق، جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتحدث تحولًا عميقًا في طبيعة المجتمع نفسه. فنحن لم نعد أمام مجتمع يتلقى المعرفة من المؤسسات التقليدية وحدها، بل أمام مجتمع شبكي، سريع التفاعل، متعدد المصادر، يتشكل وعيه في فضاءات رقمية مفتوحة. وهذا المجتمع الجديد يختلف في أدواته وطريقة تفكيره عن المجتمع الذي اعتاد المثقف العربي أن يتعامل معه، المطلوب ليس التخلي عن دور المثقف، بل إعادة إنتاج هذا الدور. نحتاج إلى مثقف يملك المعرفة، لكنه يعرف كيف يحولها إلى خطاب قابل للوصول. نحتاج إلى مثقف يقرأ التراث دون أن يسكن فيه، وينفتح على العصر دون أن يفقد هويته، ويخاطب الناس دون أن يتخلى عن عمق الفكرة. نحتاج إلى مثقف قادر على الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الشريك في صناعة الوعي والإصلاح والتنمية.
إننا نعيش اليوم مرحلة تحول عربية سريعة، تتبدل فيها الأدوات والمسارات وطرائق التفكير، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة. ولا ينبغي لهذا التحول أن يعني تغييب الثقافة أو تراجع دورها، بل يجب أن يدفعنا إلى توسيع مفهومها وتجديد أدواتها، حتى تصبح أكثر قدرة على ملامسة الواقع وأكثر جرأة في طرح الأسئلة وأكثر انفتاحًا على المستقبل.
وفي زمن تتسارع فيه صناعة الرأي، لم يعد كافيًا أن تكون لديك الفكرة الصحيحة؛ بل يجب أن تعرف كيف تصل بها إلى الناس. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: أين المثقف العربي؟ بل أيضًا: هل يريد المثقف العربي أن يذهب إلى الناس، أم ما يزال ينتظر أن يأتي الناس إليه؟