في لقاء نائب جلالة الملك سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد مع شباب محافظة الكرك، كان واضحاً أن القراءة الرسمية لما يجري في الإقليم تختلف عن القراءة التقليدية التي تربط الأزمات بالجمود. فبينما تناول اللقاء التطورات الإقليمية وما تفرضه من تحديات، بقيت الرسالة المركزية أن الأردن مستمر في حماية أمنه واستقراره، وفي الوقت ذاته مستمر في استكمال مشاريعه الحيوية، وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي، وتمكين الشباب، وتطوير التعليم، باعتبار أن بناء الداخل هو أفضل استجابة لاضطراب الخارج، وإن كان الخيار الأصعب بمراحل من التوقف والتراجع لا شك.
هذه الفكرة تحمل دلالة سياسية عميقة؛ فالدولة التي تجعل محيطها المضطرب سبباً لتعطيل مشروعها الوطني تصبح رهينة لما يقرره الآخرون، أما الدولة التي تواصل تنفيذ رؤيتها رغم الأزمات فهي تعلن أن قرارها الوطني مستقل، وأن مستقبلها لا يُكتب خارج حدودها. من هنا، فإن اللايقين الإقليمي لا ينبغي أن يكون ذريعة للتراجع، بل حافز لمزيد من التماسك المؤسسي، وتسريع الإصلاح، وتعزيز المناعة الاقتصادية والاجتماعية.
ولفتني أنه أشار إلى "جعفر الطيار" واحد من أبطال معركة مؤتة وابن بيت النبوة الهاشمي والذي لم يترك الراية وبقي مصراً على حملها حتى بعدما تقطعت يداه، في صورة ضمنية عن معنى رسالة الأمير وتشديده على أن الإصرار والعزيمة هما مفتاح مواجهة التصعيد في منطقة لا تهدأ.
وخلال الحوار، لم يكن الحديث مقتصراً على الاستماع إلى أفكار الشباب، وإنما بدا أن هناك تصوراً متكاملاً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالرسالة الأولى كانت أن الأردن ثابت في هويته السياسية ومؤسساته مهما تبدلت خرائط الإقليم أو موازين القوى. والرسالة الثانية أن التحديث السياسي والاقتصادي والإداري خيار استراتيجي للدولة الأردنية، يرتبط برؤية طويلة المدى لتطوير مؤسساتها وتعزيز تنافسيتها. أما الرسالة الثالثة، فهي أن صناعة السياسات لم تعد عملية مغلقة، وإنما تقوم على الشراكة مع المواطنين، والاستماع إلى المبادرات والأفكار المحلية، بما يعزز الحوكمة ويمنح القرارات شرعية مجتمعية أوسع.
ولعل الرسالة الأهم كانت تلك المتعلقة بالمسؤولية. فالتغيير لا تصنعه مؤسسة واحدة، ولا حكومة وحدها، ولا مجتمع بمفرده. لكل مؤسسة دورها، ولكل فرد مسؤوليته، وعندما تختلط الأدوار تضيع المسؤوليات، أما عندما تتكامل فإن الدولة تصبح أكثر قدرة على الإنجاز. وهذا الفهم المؤسسي هو جوهر الدولة الحديثة؛ حيث تتعاون السلطات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والجامعات، والشباب، ضمن رؤية واحدة، دون أن يلغي أحدهم دور الآخر.
ومن اللافت أن اللقاء لم يقتصر على العناوين السياسية، في حين أنه ناقش ملفات التنمية والسياحة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة والتعليم، وهي قطاعات تعكس أن الأمن الوطني لم يعد يُقاس فقط بحماية الحدود، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على خلق فرص العمل، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في رأس المال البشري. لذلك، فإن استمرار المشاريع الوطنية في ظل إقليم مضطرب رسالة سيادية بأن التنمية نفسها أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الوطني، وهنا أشير بصورة مباشرة إلى أهمية فرصة تطوير "منظومة" الإدارة المحلية، لتحقيق التنمية العادلة لكل الأردنيين على مختلف الصعد وليس فقط الخدمات.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل تمر المنطقة بمرحلة تصعيد؟ فهذا واقع يراه الجميع. وإنما السؤال هو: كيف تتصرف الدول أمام هذا التصعيد؟ هناك دول تنتظر حتى تهدأ العواصف لتبدأ البناء، وهناك دول تبني وهي تدير الأزمات في الوقت نفسه. وتجربة الأردن، كما تبدت في هذا اللقاء، تميل إلى الخيار الثاني؛ حماية الأمن، واستمرار الإصلاح، وعدم السماح للمتغيرات الإقليمية بأن تعطل المشروع الوطني.
ولعل هذه هي الرسالة التي خرجت بها من اللقاء أكثر من أي شيء آخر؛ أن المستقبل لا يصنعه انتظار الاستقرار، لكن يصنعه العمل أثناء عدم اليقين. وأن الدول التي تمتلك رؤية واضحة لا تجعل الأزمات سبباً للتراجع، وإنما مناسبة لإثبات قدرتها على الصمود والتكيف والمضي إلى الأمام. فالتاريخ لا يكتب فقط كيف واجهت الدول أزماتها، بل كيف واصلت بناء نفسها بينما كانت الأزمات تدور من حولها، وتؤثر عليها.