لطالما ارتبطت قوة الدول بما تمتلكه من موارد طبيعية؛ فالنفط والغاز والمعادن كانت لعقود طويلة أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي. لكن العالم يقف اليوم أمام تحول تاريخي قد يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته، إذ لم يعد المورد الأكثر قيمة يُستخرج من باطن الأرض، بل يُصنع في مراكز الأبحاث، ويُدرَّب على البيانات، ويُطوَّر بعقول العلماء والمهندسين، إنه الذكاء الاصطناعي.
ما نشهده اليوم يتجاوز كونه سباقًا لتطوير تطبيقات أكثر ذكاءً، فهو سباق على امتلاك البنية التحتية الرقمية، والقدرات الحاسوبية، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، والبيانات، والكفاءات البشرية. ولهذا لم يعد مستغربًا أن تضع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجياتها الاقتصادية والأمنية، وأن تنظر إليه باعتباره أحد عناصر السيادة الوطنية.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد يؤثر في قطاع واحد، بل أصبح حاضرًا في الصناعة، والتعليم، والصحة، والإعلام، والخدمات المالية، وحتى الأمن والدفاع. كما أنه يعيد تشكيل سوق العمل، حيث ستختفي بعض الوظائف التقليدية، في مقابل ظهور وظائف جديدة تعتمد على المهارات الرقمية والابتكار والقدرة على توظيف التقنيات الذكية. لذلك، فإن المنافسة الحقيقية لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين من يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي ومن يتأخر عن مواكبته.
غير أن هذه التحولات تحمل تحديات لا تقل أهمية عن الفرص، بدءًا من حماية الخصوصية، مرورًا بمواجهة المعلومات المضللة والانحياز الخوارزمي، وصولًا إلى ضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات. ومن هنا برز مفهوم السيادة الرقمية، الذي يعني امتلاك الدول لقدراتها التقنية وبياناتها وبنيتها التحتية، بما يضمن استقلال قرارها وقدرتها على المنافسة في الاقتصاد الرقمي.
أما الأردن، فيمتلك فرصة حقيقية للانضمام إلى هذا التحول، ليس من خلال منافسة القوى الكبرى في حجم الاستثمارات، بل عبر الاستثمار في الإنسان. فالكفاءات الأردنية، والجامعات، وريادة الأعمال، تمثل قاعدة قوية يمكن البناء عليها إذا ما دعمتها سياسات وطنية تركز على التعليم، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، وتشجيع الابتكار.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تستثمر مبكرًا في التحولات الكبرى هي التي تقود المستقبل. واليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية واعدة، بل موردًا استراتيجيًا يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي وموازين القوى. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل سيغير الذكاء الاصطناعي العالم؟ بل: هل سنكون من صُنّاع هذا التحول، أم سنكتفي بمشاهدته؟