ولقد أدركت العديد من الحكومات في الدولة المتقدمة أن المستقبل أصبح مشروعاً سياسياً يتم بناؤه وتسويقه وإدارته، ورغم الانتشار غير المسبوق للاستراتيجيات الوطنية على مستوى الإقليم خلال العقد الماضي، إلا أن عدم نجاح هذه الاستراتيجيات أظهر أن الرواية التي تقدمها دول لاإقليم لشعوبها ليست صحيحة، وأن هذه الدول غير قادرة فعلاً على رؤية المستقبل.
على المستوى العالمي، تتحدث الولايات المتحدة عن قيادة الثورة الصناعية الجديدة، في حين أن الصين تطرح نفسها بوصفها القوة التي ستقود الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تقديم نموذج يقوم على الاقتصاد الأخضر والسيادة الرقمية.
في ظل هذا التنافس على تقديم روايات المستقبل، من الضروري أن تدرك الدولة الأردنية أهمية امتلاك القدرة على إنتاج قصة مستقبلية قابلة للتصديق بالنسبة للمواطنيين، وعد الانغسام في محاولات إعادة بناء قصة الماضي، حيث يمكن إعطاء إضاءات سريعة على الماضي كي يكون المرجعية التأسيسية لرواية المستقبل، وعوضاً عن المحاولات لتجاوز المحطات الحرجة تاريخياً خوفاً مما يمكن أن تحدثه من اشتباك داخلي، يمكن تقديم رواية المستقبل كي نكون جميعنا شركاء في صنعها، فندرك أهمية احترام اختلافاتنا وتنوعنا في تقوية النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
التنافس على رواية المستقبل حالة غير مفصولة عن الواقع، بل هي نتاج الإزاحات الجذرية التي أصابت الاقتصاد في زمن اللايقين، حيث يحاول الاقتصاد، عبر الأدوات الجديدة، امتلاك القدرة على التوقع، في زمن سريع التغير والتحرك، أكثر من ارتباطه بالواقع الراهن، فالاستثمار، الذي يراهن بطبيعته على المستقبل، صار يدرك أن المستقبل الذي لايتم إدراكه الآن والتحكم بصناعته سيكون مجهولاً قد يبتلع الاستثمار نفسه.
ولذلك فإن الشركات العالمية باتت تختار وجهاتها الاستثمارية وفق استقرار الرؤية الحكومية واستمرارية السياسات، لا وفق الظروف الحالية فقط، أي أنها في حال صدقت رواية المستقبل التي تقدمها الدولة، ذهبت للاستثمار فيها، ولذلك فإن الدولة التي تنجح في إقناع العالم بمستقبلها تصبح أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال والكفاءات والتقنيات.
وكما أن رواية المستقبل موجهة إلى الخارج فهي أداة لإدارة الداخل أيضاً،لأن المجتمعات التي تمتلك تصوراً واضحاً للمستقبل تكون أكثر استعداداً لتحمل تكاليف الإصلاح الاقتصادي وأكثر قبولاً للقرارات الصعبة، حيث تدرك أن هذه التضحيات جزء من مشروع أكبر، أما عندما يغيب الأفق المستقبلي، فإن كل إصلاح يتحول إلى عبء، وكل تغيير سيثير الشكوك، فمن لا يعرف إلى أين سيتجه ويسير مغمّى العينين يخشى التحرك ويشك في أي تغير على المسار ويفقد الثقة بمن يمسكه من يده.
وفي هذا السياق، لم يعد نجاح الحكومات يقاس فقط بقدرتها على إدارة الحاضر، بل بقدرتها على إدارة ولكن لا يجب على الدول والحكوما أن تقع في إغراء إنتاج مستقبل إعلامي أكثر منه واقعياً، فتتحول الرؤى والخطط الاستراتيجية إلى أدوات دعائية بدلاً من أن تكون أدوات للتخطيط، فالمبالغة في رسم صورة وردية للمستقبل قد تؤدي إلى اتساع فجوتي الثقة والرضا عند المواطنين عندما لا تستطيع الدول والحكومات تتحقيق الوعود ضمن الإطار الزمني المعلن، وبالتالي على الدول والحكومات أن تدرك أن قوة رواية المستقبل في حجم الطموح وفي قدرتها على تحقيقه عبر الجمع بين الواقعية والإلهام، وبين الإنجازات المرحلية والهدف النهائي.
وهنا يبرز دور القيادة السياسية والمجتمع والنخب الفكرية كدور حاسم في بناء رواية المستقبل وتحويلها إلى مشروع وطني يعكس القيم والهوية والمصالح طويلة الأجل، وليست الحالة القائمة الآن، وبالتالي فإن رواية المستقبل التي تقدمها الدول والحكومة يجب أن تتبنى بصورة واضحة إحدى نظريات التغيير، فالوعد في المستقبل هو أن نتغير لا أن نبقى على ما نحن عليه الآن.
حين تتنافس الدول على إننتاج رواياتها عن المستقبل فإنها تتنافس في الحقيقةعلى إنتاج الأمل، ليكون هو محرك التغيير والتطوير، وبالتالي فإنالمجتمعات الموهوبة، التي تمتلك الكفاءات الشابة،ستقدم رؤية مقنعة للمستقبلوستنجذب الاستثمار إلى دولها، وستكون قادرة على تحويل تلك الرؤية إلى واقع.
النظام العالمي الجديد الآخذ بالتشكل يخبرنا أن الدولة التي تستطيع أن تروي مستقبلها بصورة أكثر إقناعاً، ثم تثبت بالأفعال أنها تسير نحوه بثبات، ستكون الأقدر على قيادة اقتصادها وتعزيز تماسك مجتمعها وترسيخ مكانتها فيه، لأن هذا النظام التي تمتلك القدرة على صناعة المستقبل، لا مجرد التكيف معه.