حين أتكلم عن دور الدولة في صناعة الفرص أو تحول الدولة تدريجياً إلى دولة الفرص، فإن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال أن تنسحب الحكومة من قطاعات التعليم والصحة والنقل وأن تقلل من شبكات الحماية الاجتماعية، كما أنه لا يعني أيضاً أن يتحمل المواطن وحده مسؤولية مصيره، فأساس دولة الفرص هو أن تقوم الدولة بتقديم الخدمات الأساسية بصورة عادلة، ولكن في ذات الوقت لا تتدخل في السوق وتترك الأفراد لموازين السوق.
وهذا يعني بالضرورة أن تفكر الحكومة في إعادة توجيه مواردها بصورة تساعد على خلق الفرص عوضاً عن استهلاكها لمواردها في إدارة الاحتياجات اليومية، أي تصبح الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطن تمكنه من تحسين حياته.
فعلى المستوى التعليمي يجب أن تتطور المناهج الدراسية والمدارس نفسها لتمكين الطلبة من المهارات والمعارف الحديثة، وعلى المستوى الصحي يجب أن تتحول المنظومة العلاجية التي تديرها الدولة إلى منظومة استشفائية متكاملة بصورة تساعد المواطن على زيادة إنتاجيته، وأن يتحول النقل العام إلى شريان يساعد على حرية وسرعة التنقل بصورة تفيد قطاع الأعمال وتفتح فرص عمل للمواطنين بالأطراف وتساعد على انتقال رؤوس الأموال داخل الأردن وخارج العاصمة ومحيطها.
انتقال الدولة من دولة خدمات إلى دولة فرص يتطلب مواءمة تشريعية وتنفيذية عالية، فمن دون مثل هذه المواءمات فإن الحديث يبقى على مستوى الشعارات.
حين نقرأ ما يملكه الأردن من إمكانات على مستوى الرأسمال البشري والموقع الإقليم والاستقرار المؤسسي والقطاعات الواعدة التقليدية وغير التقليدية، يمكن أن ندرك أنه يمتلك مقومات دولة الفرص، ولكن لا بد من تغيير جوهري في نهج مؤسسات الدولة والحكومة كي تتحول هذه المقومات إلى محركات حقيقية لدولة الفرص، وهنا تكمن أهمية إعادة تعريف الدولة لدى التصور الحكومي، فمن الضروري التحول نحو اقتصاد لا مركزي، لأن هذا هو الشرط الحقيقي للتحول من دولة الخدمات إلى دولة الفرص، وهو ما يتطلب بالضرورة إعادة تعريف دور الموظف العام في هذه المنظومة الجديدة، أي أن يتحول الموظف من حارس على الإجراءات البيروقراطية المفرطة، التي تنفر التحرك الاقتصادي الفعال، إلى مسرع للنشاط الاقتصادي، عبر اختصار المسارات على المشروعات الاقتصادية إلكترونياً وعملياً، فلا يجوز تحويل البيروقراط الواقعي إلى بيروقراط رقمي، لأن هدف الرقمنة تقليص الإجراءات إلى الإجراءات الضرورية فقط وبصورة واضحة، ما يؤدي إلى اختصار المدد الزمنية وإنجاز المعاملات بصورة أسرع، ما يساعد على تسريع المشروعات الاقتصادية.
وعلى الرغم من كل ما سبق، فأنا أدرك أن هذه الفكرة ستواجه تحديات كبرى، وعلى رأسها إقناع الأردنيين بتحول يحتاج نصف عقد من الزمن لتحقق نتائجه الأولى، ولكن إذا استطاعت الحكومة أن تخلق منظومة هجينة خلال الفترة الأولى، بحيث تسير دولة الفرص إلى جوار دولة الخدمات والحماية عبر الاستمرار بدعم موجه للفئات الأضعف وتأمين صحي فعال وتعليم عام جيد وسياسات تمنع الاحتكار ونظام ضريبي أكثر عدالة، فإن الحكومة ستكون قادرة على نقل الدولة من دولة الخدمات إلى دولة الفرص، بحيث تجعل الخدمات والحماية أساساً متيناً لدولة الفرص.