أعترف أنني كلما قرأت عن مشروع قانون جديد، أو نظام جديد، أو تعليمات جديدة، يتبادر إلى ذهني سؤال واحد لا أسمعه كثيراً: هل نحن بحاجة فعلاً إلى تشريع جديد، أم أننا بحاجة إلى التخلص من تشريع قديم؟
لقد أصبح إصدار القوانين في كثير من الأحيان هو الحل الأول لأي مشكلة. فإذا ظهرت أزمة، اتجهنا إلى تعديل قانون. وإذا برز تحدٍ جديد، أعددنا نظاماً جديداً. وإذا ظهرت ثغرة، أضفنا تعليمات جديدة. ومع مرور السنوات، تراكمت النصوص، وتشعبت الأحكام، وأصبحنا نضيف إلى المنظومة التشريعية أكثر مما نعيد ترتيبها.
لا أعتقد أن قوة الدولة تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على بناء منظومة تشريعية بسيطة، واضحة، مستقرة، ومفهومة. فالقانون الجيد ليس الذي يملأ صفحات الجريدة الرسمية، وإنما الذي يعرف المواطن كيف يطبقه، ويعرف المستثمر ماذا يتوقع منه، ويستطيع القاضي أن يفسره دون عناء، وتلتزم به الإدارة دون اجتهادات متضاربة.
وأعتقد أن الوقت قد حان لنغيّر طريقة تفكيرنا في التشريع. فالتشريع ليس عملية تراكم مستمرة، بل عملية بناء وصيانة في الوقت ذاته. وكما تحتاج الطرق إلى إعادة تأهيل، وتحتاج المؤسسات إلى إعادة هيكلة، تحتاج القوانين أيضاً إلى مراجعة دورية، لأن الزمن قد يجعل بعض النصوص عبئاً بعد أن كانت حلاً.
لقد شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تغيرات هائلة في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستثمار، والذكاء الاصطناعي، وأنماط الأعمال. ومع ذلك، ما زالت بعض التشريعات في مختلف الدول تحكم واقعاً لم يعد موجوداً، أو تعالج مشكلات تغيرت طبيعتها بالكامل. وهنا تكمن المشكلة؛ فالقانون الذي يتأخر عن مواكبة الواقع لا يحقق الاستقرار، بل يخلق فجوة بين النص والحياة.
ومن خلال عملي في العقود الدولية والتحكيم، تعلمت أن المستثمر لا يسأل أولاً عن حجم الإعفاءات أو قيمة الحوافز، بل يسأل عن شيء أكثر أهمية: هل البيئة التشريعية مستقرة؟ هل النصوص واضحة؟ وهل يمكن التنبؤ بالقرارات؟ فالمستثمر يستطيع أن يتعامل مع الضرائب، لكنه يصعب عليه أن يتعامل مع الغموض، أو تضارب النصوص، أو كثرة التعديلات التي تجعل التخطيط للمستقبل مغامرة غير محسوبة.
والمفارقة أن بعض الدول أصبحت تتنافس اليوم في تقليل التعقيد التشريعي، بينما ما زلنا في كثير من الأحيان نقيس النجاح بعدد القوانين التي نصدرها. والحقيقة أن التشريع ليس سباقاً في الكم، بل مسؤولية في الجودة. فكل نص جديد يضيف التزاماً جديداً، أو يخلق تفسيراً جديداً، أو يفتح باباً جديداً للاجتهاد، ولذلك يجب أن يكون صدوره استثناءً تفرضه الحاجة، لا عادة تفرضها البيروقراطية.
ما نحتاجه ليس ورشة دائمة لإنتاج القوانين، بل ورشة وطنية لتنقية المنظومة التشريعية. مراجعة هادئة وشجاعة لكل قانون، ولكل نظام، ولكل تعليمات، لنسأل: هل ما زالت تحقق الغاية التي صدرت من أجلها؟ هل ما زالت تتلاءم مع الاقتصاد الحديث؟ هل أصبحت عبئاً على الإدارة أو على الاستثمار؟ وهل يمكن دمجها أو تبسيطها أو حتى إلغاؤها؟
وأرى أن الأردن بحاجة إلى برنامج وطني دائم لمراجعة التشريعات، لا يرتبط بحكومة أو مجلس أمة، بل يكون نهجاً مؤسسياً مستمراً. برنامج يقيس جودة التشريع كما نقيس جودة الخدمات، ويعتبر إلغاء النصوص المتقادمة إنجازاً تشريعياً لا يقل أهمية عن إصدار نصوص جديدة.
فالجرأة التشريعية لا تعني فقط استحداث قوانين جديدة، بل تعني أيضاً الاعتراف بأن بعض القوانين أدت رسالتها، وأن بقاءها لم يعد يخدم المصلحة العامة. فليس كل نص قديم مقدساً، وليس كل تعديل دليلاً على التطوير، وأحياناً يكون حذف مادة واحدة أكثر أثراً من إضافة عشر مواد جديدة.
في النهاية، لا أطمح إلى دولة تمتلك أكبر مكتبة تشريعية في المنطقة، بل إلى دولة تمتلك أفضل منظومة تشريعية. منظومة تمنح المواطن الثقة، وتحمي المستثمر، وتمنح الإدارة الوضوح، وتساعد القضاء على توحيد الاجتهاد، وتُبقي القانون قريباً من الواقع لا أسيراً للماضي.
ربما حان الوقت لأن نغيّر السؤال الذي اعتدنا طرحه. فبدلاً من أن نسأل: ما هو القانون الجديد الذي سنصدره؟ لنسأل أولاً: ما هو القانون الذي لم نعد بحاجة إليه؟ فالدول الحديثة لا تتقدم بكثرة تشريعاتها، وإنما بحكمة تشريعاتها.
محامٍ وخبير قانوني
yazan.haddadin@haddadinlaw.com
متى نُشرّع لإلغاء التشريعات؟
01:26 14-7-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء