كما أن المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمار أصبحت أكثر شراسة؛ مما كانت عليه قبل سنوات. التنافس على سرعة الخدمات، وجودة البنية التحتية، والتحول الرقمي، واستقرار السياسات، وتوفير الكفاءات البشرية. وهذا يعني أن الحفاظ على جاذبية الأردن الاستثمارية يتطلب عملية تطوير مستمرة، لأن ما كان يعد ميزة قبل سنوات قد أصبح اليوم شرطًا أساسيًا للمنافسة. فالعالم بتطور مستمر وسريع يستوجب اللحاق بالركب.
ومن النقاط التي أرى أنها تستحق اهتمامًا أكبر، أن نجاح الرؤية يجب ألا يقاس بحجم الإنفاق على المشاريع، بل بالعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحققه. فقد يكون مشروع واحد قادرًا على خلق سلسلة من الصناعات والوظائف أكثر أثرًا من عدة مشاريع متفرقة لا تحقق القيمة المضافة نفسها. ولهذا فإن جودة الاستثمار لا تقل أهمية عن حجمه، بل ربما تتجاوزه في بعض الأحيان.
ولهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة يمكن أن تستفيد من عدد من الخطوات العملية، من أبرزها:
ربط الحوافز الضريبية بعدد فرص العمل المستدامة التي توفرها الشركات، بحيث تصبح الحوافز مكافأة على الأثر الاقتصادي الحقيقي.
وتوسيع برامج التمويل الميسر ورأس المال الجريء للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة.
وبناء شراكات مؤسسية دائمة بين الجامعات والقطاع الخاص، لتطوير المناهج وربطها باحتياجات الاقتصاد الجديد.
وإصدار تقرير سنوي علني يقيس مستوى تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي وفق مؤشرات أداء واضحة، بما يعزز الشفافية، ويمنح المستثمرين والمواطنين صورة دقيقة عن التقدم المحرز.
ومواصلة تبسيط الإجراءات الإدارية، ليس فقط عبر التحول الرقمي، بل بإعادة تنظيم الإجراءات نفسها، لأن رقمنة التعقيد لا تعني تبسيطه.
إن نتائج نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لن تظهر عند نهاية عام 2033، بل بدأت من اليوم، من خلال قدرة المؤسسات على تحويل الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس، والخطط إلى مشاريع منتجة، والاستثمارات إلى فرص عمل، والنمو الاقتصادي إلى تحسن حقيقي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
إن الخطط الاقتصادية، تحتاج التنسيق بين المؤسسات ووتيرة التنفيذ، ووضوحًا في الأهداف، ومرونة في التطبيق، وآليات متابعة ومساءلة واضحة، تكون أكثر قدرة على الصمود أمام المتغيرات، وأكثر نجاحًا في تحقيق نتائج مستدامة.
وترسيخ ثقافة تقوم على قياس الأداء، والشفافية، والمساءلة، وإشراك القطاع الخاص بصورة أوسع. وتقاسم المسؤولية عن النتائج، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة، ويرفع كفاءة القرارات الاقتصادية.
كما أن المرحلة المقبلة تستدعي توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تمتلك قدرة حقيقية على تحقيق قيمة مضافة، مثل الصناعات الدوائية، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية المتقدمة، مع إيلاء المحافظات اهتمامًا أكبر، لأن التنمية المتوازنة ليست مطلبًا اجتماعيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية توسع قاعدة الإنتاج وتزيد فرص النمو.
لقد أثبت القطاع الخاص الأردني، في أكثر من محطة، أنه قادر على المنافسة عندما تتوافر له البيئة المناسبة، وأنه يمتلك خبرات وكفاءات أوصلته إلى أسواق إقليمية وعالمية رغم محدودية الموارد والظروف المحيطة. وهذه النجاحات تمنحنا قدرًا من التفاؤل، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامنا مسؤولية أكبر، وهي ألا تبقى قصص النجاح حالات فردية، بل أن تتحول إلى نموذج يتكرر في مختلف القطاعات.
ويبقى الرهان الأكبر على الإنسان الأردني؛ على المستثمر الذي يغامر برأس ماله إيمانًا بقدرة وطنه على النمو، وعلى رائد الأعمال الذي يحول فكرة إلى مشروع، وعلى العامل الذي يطور مهاراته، وعلى الباحث الذي يبتكر، وعلى الشاب الذي يرى في وطنه المكان الأفضل لتحقيق طموحه. فعندما تتكامل هذه الجهود، تتحول رؤية التحديث الاقتصادي من وثيقة تخطيطية إلى واقع اقتصادي واجتماعي، يرسخ مكانة الأردن دولةً قادرة على المنافسة، واقتصادًا قادرًا على النمو، ومجتمعًا أكثر ازدهارًا وثقة بالمستقبل.