مواكبة أفضل الممارسات الدولية في الحوكمة والنزاهة
يمثل نظام منع تضارب المصالح إحدى الخطوات التشريعية الهادفة إلى تعزيز منظومة النزاهة والحوكمة في القطاع العام، من خلال وضع إطار قانوني ينظم التعامل مع الحالات التي قد تؤثر فيها المصالح الشخصية على حيادية القرار العام.
ويأتي النظام في سياق مسار تحديث الإدارة العامة، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويرسخ الثقة بالمؤسسات.
بدوره، أكد خبير الإدارة العامة، وأمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير معهد الإدارة العامة السابق، الدكتور عبدالله القضاة، أن إقرار مجلس الوزراء لنظام منع تضارب المصالح يمثل خطوة مؤسسية متقدمة تعكس نضج مشروع الإصلاح الإداري في الأردن، باعتباره أحد أهم أدوات الحوكمة الحديثة التي تعتمدها الدول الساعية إلى بناء إدارة عامة أكثر نزاهة وشفافية وكفاءة.
وأوضح القضاة الى «الرأي» أن الإدارة الحديثة لم تعد تقاس بسرعة الإنجاز فحسب، بل بقدرتها على ضمان حيادية القرار العام ومنع أي تأثير للمصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، مشيراً إلى أن النظام يترجم عملياً التوجيهات الملكية الرامية إلى ترسيخ دولة المؤسسات وسيادة القانون.
وأضاف أن النظام يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار تحديث القطاع العام، إذ إن خارطة الطريق لم تقتصر على إعادة هيكلة المؤسسات أو تطوير الخدمات الرقمية، وإنما قامت على مرتكزات الحوكمة الرشيدة، وتعزيز النزاهة والمساءلة، ورفع كفاءة الإدارة العامة.
وبين أن وجود إطار واضح لإدارة تضارب المصالح يعد أحد المؤشرات الرئيسة التي تعتمدها المؤسسات الدولية في تقييم جودة الإدارة الحكومية، ما يجعل النظام ترجمة تنفيذية لأحد أهم محاور برنامج التحديث، ويسهم في تعزيز الثقة بالمؤسسات الحكومية محلياً ودولياً.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك تشريعات متقدمة في مجالات النزاهة ومكافحة الفساد والموارد البشرية، إلا أن مفهوم تضارب المصالح ظل موزعاً بين عدة نصوص دون إطار تنظيمي مستقل يحدد بوضوح حالات تضارب المصالح، وواجبات الإفصاح، وآليات المعالجة، ومسؤوليات الموظف والجهة الحكومية، الأمر الذي يعزز العدالة والشفافية ويحد من الاجتهادات في التطبيق.
ولفت القضاة إلى أن إقرار النظام في هذه المرحلة جاء استجابة لجملة من العوامل، في مقدمتها الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي لخارطة تحديث القطاع العام، وتزايد الاهتمام العالمي بمؤشرات النزاهة والحوكمة باعتبارها عنصراً مؤثرا في جذب الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب مواكبة أفضل الممارسات الدولية في إدارة تضارب المصالح، معتبراً أن التوقيت يعكس نضوج البيئة التشريعية واستكمال مسار الإصلاح الذي تنفذه الدولة.
وتوقع أن يسهم تطبيق النظام في تحقيق العديد من الآثار الإيجابية، أبرزها تعزيز ثقة المواطنين بالإدارة العامة، ورفع مستوى الشفافية في اتخاذ القرار، وحماية الموظف العام من الوقوع في مواقف قد تُفسر على أنها تعارض مصالح، إلى جانب الحد من المخاطر القانونية والإدارية، وتحسين تصنيف الأردن في مؤشرات الحوكمة والنزاهة، ودعم البيئة الاستثمارية من خلال ترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص.
وأكد أن نجاح النظام لا يعتمد على النصوص القانونية وحدها، وإنما على كفاءة منظومة التطبيق، داعيا إلى إعداد دليل وطني موحد يتضمن أمثلة عملية لحالات تضارب المصالح وكيفية التعامل معها، وإطلاق برامج تدريب إلزامية للقيادات والموظفين الجدد حول أخلاقيات الوظيفة العامة وإدارة تضارب المصالح، إلى جانب تطوير منصة إلكترونية آمنة للإفصاح عن الحالات وتحديثها بصورة دورية، وتعزيز ثقافة الإفصاح المبكر باعتبارها أداة وقائية، وإجراء مراجعات دورية للاستفادة من أفضل التجارب الدولية في تطوير النظام.
وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، رأى القضاة أن نظام منع تضارب المصالح ستكون له آثار إيجابية في تعزيز جاذبية الأردن للاستثمار، موضحا أن المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز المالية، بل عن بيئة مؤسسية تتسم بالشفافية وتكافؤ الفرص وعدالة المنافسة.
وأشار إلى أن تعزيز منظومة الحوكمة والحد من تعارض المصالح يرفع مستويات الثقة بالمؤسسات ويخفض المخاطر المرتبطة بالاستثمار، ما ينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد الوطني، ويبعث برسالة واضحة للمستثمرين المحليين والدوليين بأن الأردن ماضٍ في ترسيخ بيئة أعمال عادلة ومستقرة وفق أفضل المعايير الدولية.
وشدد القضاة أن الأردن يواصل بناء دولة الإدارة الرشيدة بخطوات متدرجة ومدروسة، وأن تحديث القطاع العام لا يقتصر على تطوير الإجراءات، بل يمثل مشروعاً وطنيا لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، معتبرا أن نظام منع تضارب المصالح يشكل إحدى الركائز الأساسية في هذا المسار من خلال تعزيز نزاهة القرار العام، وحماية المال العام، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية بما ينسجم مع الرؤية الملكية لبناء قطاع عام كفؤ وفاعل وجدير بثقة المواطنين والمستثمرين.
بدوره أكد الخبير في الإدارة العامة ومدير معهد الإدارة العامة السابق الدكتور راضي العتوم أن إقرار نظام منع تضارب المصالح يشكل إطاراً تشريعيا جامعا يهدف إلى الحد من تضارب المصالح لدى أصحاب القرار والمسؤولين على اختلاف مستوياتهم، إلا أن نجاحه يبقى مرهوناً بوجود منظومة متكاملة للإنفاذ القانوني والإداري والفني، بما يضمن تطبيقه بفاعلية.
وأوضح العتوم الى «الراي» أن النظام يرتبط ارتباطا مباشرا بمسار تحديث الإدارة العامة، لأن حماية المال العام تعد ركنا أساسيا في نجاح الإصلاح الإداري وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، مشيراً إلى أن النظام يسد فجوة تشريعية مهمة.
ورأى أن الدوافع وراء إقرار النظام تتمثل في الحاجة إلى الحد من استغلال الوظيفة العامة وتعزيز معايير النزاهة والشفافية في إدارة الشأن العام.