مختصون: المطلوب منظومة حماية شاملة تلاحق تطور البيئة الرقمية
التطور التقني فرض أنماطاً جديدة من الجرائم تستدعي تحديثاً مستمراً للتشريعات
الحياصات: حماية الأطفال في الفضاء الرقمي جزء أساسي من العملية التعليمية
العماوي: الأردن لديه منظومة تشريعية متقدمة.. والتحدي في التطبيق
الحبيس: لا بد من بناء بدائل تعزز شعور الطفل بالنجاح خارج العالم الرقمي
الرواشدة: الخوارزميات تعمل وفق التفاعل والانتباه لا وفق معايير تربوية أو عمرية
الفواعرة: المشرع الأردني تعامل مع حماية الطفل بوصفها أولوية قصوى
في ظل التوسع المتسارع في استخدام الأطفال للإنترنت والمنصات الرقمية، تتزايد المخاوف من المخاطر التي لم تعد افتراضية فقط، بل باتت تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للأطفال وسلوكهم داخل المدرسة وخارجها، بدءًا من التنمر الإلكتروني والابتزاز، وصولًا إلى المحتوى غير المناسب والاستغلال والإدمان السلوكي.
وبينما تتعاظم هذه التحديات، تتقاطع جهود المؤسسات التربوية والتشريعية والأمنية مع الخبراء في القانون وعلم النفس والتقنيات الرقمية، في محاولة لتشكيل منظومة حماية قادرة على ملاحقة التطور السريع في البيئة الرقمية، لكنها لا تزال تواجه فجوات تتعلق بسرعة التحول التكنولوجي وحدود التطبيق العملي.
وتتفق مختلف القراءات التربوية والقانونية والنفسية والتقنية على أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لم تعد قضية جزئية أو مرتبطة بسلوك فردي، بل أصبحت ملفًا مركبًا تتداخل فيه أدوار الدولة والأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا.
فبينما تؤكد وزارة التربية والتعليم أن المواجهة تبدأ من داخل البيئة التعليمية عبر إدماج مفاهيم المواطنة الرقمية والتوعية المستمرة وتدريب الكوادر التربوية وآليات المتابعة والإبلاغ، يبرز في المقابل تحدٍ يتمثل في أن أغلب المخاطر الرقمية تنشأ خارج أسوار المدرسة لكنها تنعكس مباشرة على سلوك الطلبة داخلها، ما يجعل التدخل التربوي وحده غير كافٍ دون شراكة أوسع.
وفي السياق ذاته، يشير الجانب القانوني إلى أن الإطار التشريعي الأردني يمتلك أدوات حماية متعددة، لكنه يواجه صعوبات في التطبيق داخل فضاء رقمي عابر للحدود، خصوصًا في ظل غياب أنظمة فعالة للتحقق من الأعمار وضعف التزام بعض المنصات العالمية.
أما نفسيًا وتقنيًا، فيبرز أن الإدمان الرقمي يرتبط بعوامل نفسية تتعلق بالإنجاز والقبول الاجتماعي، في حين تعمل الخوارزميات على تعزيز هذا الارتباط عبر آليات تستهدف جذب الانتباه وإطالة زمن الاستخدام دون تمييز كافٍ لعمر المستخدم أو احتياجاته، ما يخلق بيئة رقمية معقدة تتطلب مزيجًا من الوعي الأسري والرقابة التقنية والتشريعات المحدثة لمواكبة سرعة التطور.
في وزارة التربية والتعليم، يرى الناطق الإعلامي باسم الوزارة محمود الحياصات أن التعامل مع المخاطر الرقمية لم يعد خيارًا إضافيًا في العملية التعليمية، بل أصبح جزءًا من مسؤولية المدرسة اليومية. ويؤكد أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي الرقمي لدى الطلبة من خلال حزمة من البرامج والأنشطة التوعوية التي تُنفذ بالشراكة مع جهات وطنية ودولية، مشيرًا إلى أن هذا التوجه لم يعد يقتصر على حملات ظرفية، بل أصبح مسارًا تربويًا مستمرًا.
ويوضح أن مفاهيم السلامة الرقمية والمواطنة الرقمية تم دمجها تدريجيًا في المناهج الدراسية والأنشطة المدرسية، بحيث لا يتعامل الطالب مع الإنترنت باعتباره مساحة مفتوحة فقط، بل كبيئة لها قواعد وسلوكيات ومسؤوليات.
ويضيف الحياصات أن الوزارة لا تكتفي بالجانب النظري، بل تنفذ حملات توعوية ومحاضرات دورية حول الاستخدام الآمن للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تدريب المرشدين التربويين والمعلمين على كيفية التعامل مع المخاطر الرقمية ورصدها مبكرًا.
كما يشير إلى وجود تعاون مباشر مع مديرية الأمن العام للتوعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية، خصوصًا الابتزاز والتنمر الإلكتروني، فضلًا عن توفير أدلة إرشادية موجهة للطلبة وأولياء الأمور والمعلمين حول السلوك الرقمي الآمن.
ويتابع الحياصات أن الوزارة تطبق إجراءات وسياسات تهدف إلى حماية الطلبة من أشكال العنف المختلفة، بما فيها العنف الإلكتروني، عبر تعليمات ناظمة وآليات للإبلاغ والتعامل مع الحالات، موضحًا أن دور المرشد التربوي أصبح محوريًا في متابعة أي سلوك رقمي سلبي قد ينعكس على البيئة المدرسية.
ويشير كذلك إلى أن هناك نظام متابعة دوري يعتمد على استبانة المسح الشهري للبيئة الآمنة في المدارس، إضافة إلى قنوات مديريات التربية للتعامل مع الحالات المحالة، مع الحفاظ على سرية بيانات الطلبة في جميع مراحل التعامل.
ويؤكد الحياصات أن عدد الحالات المرتبطة بالسلوك الرقمي لا يُمكن الإعلان عنه بشكل تفصيلي إلا وفق إجراءات رسمية تتطلب موافقات مسبقة، نظرًا للشراكة مع إدارة حماية الأسرة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذه الحالات «لا تشكل ظاهرة ذات دلالة»، موضحًا أن معظمها يحدث خارج أسوار المدرسة، غير أن أثرها يصل إلى البيئة التعليمية ويتم التعامل معه ضمن التعليمات التربوية والإدارية.
في المقابل، يضع النائب الدكتور مصطفى العماوي الملف الرقمي في سياق مختلف، قائم على التشريع والحوكمة الرقمية. ويشير إلى أن الأردن يمتلك بالفعل أكثر من طبقة قانونية لحماية الأطفال، تشمل قانون حقوق الطفل لعام 2022، وقانون حماية البيانات الشخصية، إضافة إلى قانون الجرائم الإلكترونية وتعديلات قانون العقوبات، إلا أن الإشكالية الحقيقية – بحسب رأيه – لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في التطبيق عبر منصات عابرة للحدود.
ويقول العماوي إن «المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في قدرتها على الوصول إلى فضاء رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية»، مضيفًا أن أحد أبرز التحديات يتمثل في غياب نظام شامل للتحقق من أعمار المستخدمين على المنصات الرقمية، ما يجعل الأطفال عرضة لمحتوى لا يتناسب مع أعمارهم دون وجود آلية رقابية فعالة. كما يشير إلى ضعف الالتزام من بعض الشركات العالمية بالإجراءات المحلية، وغياب الشفافية المتعلقة بخوارزميات التوصية التي تستهدف المستخدمين، خصوصًا الأطفال.
ويذهب العماوي إلى أبعد من ذلك حين يدعو إلى إعادة تقييم شاملة للمنظومة القانونية المرتبطة بحماية الأطفال رقميًا، بحيث يتم تحقيق توازن بين حماية الطفل وعدم الإفراط في جمع البيانات الشخصية.
ويؤكد أن التحقق من العمر يجب أن يكون قائمًا على مبدأ «التناسب مع مستوى الخطر»، وليس إجراءً عامًا يُطبق على جميع المستخدمين دون تمييز. كما يشدد على ضرورة إنشاء لجنة وطنية متخصصة لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، تتولى تنسيق الجهود بين الجهات التشريعية والتنفيذية والتقنية.
أما من الجانب النفسي، فيقدم المختص في علم النفس الدكتور فراس الحبيس قراءة مختلفة لطبيعة العلاقة بين الطفل والفضاء الرقمي، محذرًا من الخلط بين «الإدمان» و«التعود».
ويشرح أن الإدمان لا يُقاس بعدد ساعات الاستخدام فقط، بل بمدى تأثير هذا الاستخدام على حياة الطفل اليومية، بحيث يصبح السلوك مسيطرًا ويعطل الدراسة والنشاط الاجتماعي والعادات الصحية.
ويضيف الحبيس أن مؤشرات الإدمان تبدأ بالظهور عندما تتأثر حياة الطفل بشكل مباشر، مثل إهمال الدراسة أو رفض التوقف عن اللعب أو الانعزال الاجتماعي أو فقدان الاهتمام بالنظافة الشخصية والنشاط البدني. ويشير إلى أن واحدة من أبرز العلامات السلوكية هي مقاومة الطفل لتعليمات الوالدين، حيث يتحول رفض التوقف عن اللعب إلى نمط سلوكي متكرر.
لكن الحبيس لا يكتفي بالتشخيص، بل يتوقف عند الجانب التربوي في التعامل مع الطفل، موضحًا أن الأسلوب المفاجئ في منع الاستخدام غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية. ويقترح بدلًا من ذلك اعتماد أسلوب التدرج في إنهاء وقت اللعب، مثل تحديد وقت إضافي واضح مع العد التنازلي، بما يساعد الطفل على الانتقال النفسي التدريجي من حالة التفاعل إلى التوقف.
كما يشدد على أهمية التعزيز الإيجابي وربط الالتزام بسلوكيات إيجابية، بدلًا من العقاب المباشر.
ويرى الحبيس أن جزءًا مهمًا من المشكلة يعود إلى الجانب النفسي المرتبط بالإنجاز، إذ تمنح الألعاب الإلكترونية الطفل شعورًا مستمرًا بالنجاح والتقدم عبر المراحل والمستويات، وهو شعور قد يفتقده في حياته الواقعية، ما يدفعه إلى التعلق بالعالم الرقمي كبديل نفسي.
على الجانب التقني، يقدم المختص في المنصات الرقمية والخوارزميات أسامة الرواشدة صورة أكثر تعقيدًا لدور الخوارزميات في تشكيل سلوك المستخدمين، مؤكدًا أنها تعمل بوصفها «آلات بحث عن الانتباه».
ويشرح أن هذه الأنظمة لا تفهم المحتوى بمعناه الأخلاقي أو التربوي، بل تتعامل مع الأرقام: مدة المشاهدة، التفاعل، وعدد النقرات، لتقوم ببناء مسار توصية يهدف إلى إبقاء المستخدم داخل المنصة لأطول وقت ممكن.
ويشير الرواشدة إلى أن خطورة هذه الخوارزميات تكمن في أنها قد تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب دون قصد مباشر، لأن معيار الاختيار ليس العمر أو النضج، بل درجة الجاذبية والتفاعل، ومع الوقت، تُنشئ هذه الأنظمة ما يشبه «الملف الرقمي» لكل مستخدم، يعيد تشكيل المحتوى المعروض عليه بشكل مستمر، ما يؤدي إلى تكوين فقاعة رقمية مغلقة.
ويضيف أن أدوات الرقابة الأبوية مثل «Family Link» و«Screen Time» تمثل حلولًا مساعدة، لكنها غير كافية وحدها، لأن السيطرة التقنية يمكن تجاوزها بسهولة.
لذلك، يرى أن الحل لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط، بل يجب أن يتكامل مع الرقابة الأسرية والحوار المستمر مع الطفل، إلى جانب التزام الشركات بمبدأ «السلامة في التصميم»، بحيث تُبنى الخوارزميات منذ البداية على أساس حماية القاصرين وليس فقط زيادة التفاعل.
أما على المستوى القانوني الجنائي، فيؤكد أستاذ القانون الجنائي في الجامعة الأردنية، محمد الفواعرة، أن المشرع الأردني تعامل مع حماية الطفل بوصفها أولوية قصوى، خاصة في الجرائم الواقعة على العرض والأخلاق.
ويشير إلى أن العقوبات تتدرج بشكل تصاعدي كلما كان عمر الطفل أصغر، في دلالة على تشديد الحماية القانونية لهذه الفئة.
ويوضح أن قانون الجرائم الإلكترونية أضاف طبقة حماية وقائية مهمة، إذ يجرّم الأفعال التي تهدف إلى إغواء الطفل أو تحريضه أو استغلاله عبر الوسائل الرقمية، حتى قبل وقوع الجريمة فعليًا. كما يجرّم نشر أو إرسال أي محتوى ذي طبيعة إباحية موجه للأطفال، ويعاقب على الابتزاز الإلكتروني دون تمييز بين بالغ وقاصر من حيث مبدأ الجريمة، مع تشديد العقوبة في الحالات ذات الطابع الأخلاقي.
ويختم بأن التطور التقني فرض أنماطًا جديدة من الجرائم، ما يستدعي تحديثًا مستمرًا للتشريعات، خصوصًا في ظل استخدام الأطفال كأكثر الفئات عرضة للاستهداف عبر المنصات الرقمية، سواء عبر الإغواء أو الاستغلال أو التهديد أو الاتجار.
بين هذه الرؤى المتقاطعة، يتضح أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لم تعد ملفًا قطاعيًا، بل قضية مركبة تتداخل فيها التربية والقانون والصحة النفسية والتكنولوجيا.
ورغم تعدد الأدوات والسياسات، يبقى التحدي الأكبر في القدرة على مواكبة عالم رقمي يتغير بسرعة تفوق أحيانًا قدرة التشريع والتوعية على اللحاق به، ما يجعل من بناء وعي رقمي متكامل مسؤولية مشتركة لا يمكن تأجيلها.