حين تُطرح أي رؤية اقتصادية طموحة، ينصرف الاهتمام غالبًا إلى ما تتضمنه من أهداف ومبادرات ومشروعات، غير أن التجارب الاقتصادية تؤكد أن قيمة أي رؤية لا تُقاس بحجم الطموح الذي تحمله، بل بقدرتها على تغيير الواقع. فالتاريخ لا يحتفظ بالخطط التي كُتبت بإتقان، وإنما يتذكر تلك التي نجحت في خلق فرص عمل، ورفعت مستوى المعيشة، وعززت ثقة المستثمر والمواطن في آن واحد.
ومن وجهة نظري، فإن أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن إصدار التشريعات وحده كافٍ لتحقيق التنمية. فالقوانين قد تكون متقدمة، والخطط قد تكون طموحة، لكن المستثمر يحكم على البيئة الاقتصادية بطريقة مختلفة تمامًا؛ فهو يقيسها بسرعة الإنجاز، واستقرار القرارات، ووضوح الإجراءات، وقدرة المؤسسات على الوفاء بما تعلنه. ولهذا أرى أن معركة الاقتصاد اليوم لم تعد معركة تشريعات، بقدر ما أصبحت معركة تنفيذ وكفاءة مؤسسية.
ومن هذا المنطلق، تمثل رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية (2022-2033) محطة مفصلية في مسار الاقتصاد الوطني، لأنها لا تسعى فقط إلى معالجة تحديات آنية، بل إلى إعادة صياغة النموذج الاقتصادي بحيث ينتقل تدريجيًا من الاعتماد على الإنفاق العام إلى اقتصاد يقوده الاستثمار والإنتاج والابتكار. وهذه ليست مهمة سهلة، لأنها تتطلب تغييرًا في الثقافة الاقتصادية بقدر ما تتطلب تغييرًا في السياسات.
ولا يخفى على أحد أن الأردن يواجه تحديات اقتصادية معقدة، في مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب، ومحدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع كلف الإنتاج والطاقة، فضلًا عن التأثر المستمر بالأوضاع الإقليمية. وتشير أحدث البيانات إلى أن معدل البطالة ما يزال يدور حول 21%، بينما تتجاوز بطالة الشباب هذه النسبة بكثير، وهو ما يجعل توفير فرص العمل أحد أكثر الملفات إلحاحًا في السنوات المقبلة. وفي المقابل، يمتلك الأردن عناصر قوة حقيقية تتمثل في استقراره السياسي والأمني، وكفاءة موارده البشرية، وموقعه الجغرافي، وشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتج الأردني إمكانية الوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين.
ولعل ما يستحق التوقف عنده هو أن الاقتصاد الأردني لا يعاني اليوم من نقص في الأفكار أو الرؤى، بقدر ما يحتاج إلى تحويلها إلى نتائج قابلة للقياس. فخلال العقود الماضية أُطلقت مبادرات وبرامج إصلاحية متعددة، حقق بعضها نجاحات ملموسة، بينما تعثر بعضها الآخر عند مرحلة التنفيذ. ولذلك أعتقد أن التحدي الحقيقي الذي يواجه رؤية التحديث الاقتصادي ليس في صياغتها، بل في قدرتها على المحافظة على زخم التنفيذ لسنوات طويلة، لأن الاقتصاد لا يُبنى بالقرارات السريعة، وإنما بالتراكم والاستمرارية.
وقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني، في أكثر من مناسبة، أن تمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار يمثلان ركيزة أساسية في مشروع التحديث الاقتصادي، انطلاقًا من قناعة بأن القطاع الخاص هو القادر على خلق فرص العمل وتحريك عجلة الإنتاج. غير أن هذه القناعة، في رأيي، تضع مسؤولية مشتركة على الدولة والقطاع الخاص معًا؛ فالدولة مطالبة بتوفير بيئة مستقرة وعادلة، والقطاع الخاص مطالب بالمبادرة والاستثمار في الإنسان والابتكار، لا بالاكتفاء بالاستفادة من الحوافز.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح كيف نجعل نجاح القطاع الخاص نجاحًا يشعر به المواطن في حياته اليومية؟ بأن تتحول الاستثمارات إلى وظائف، والمشروعات إلى قيمة مضافة، والنمو إلى تحسن حقيقي في مستوى المعيشة، اي مرحلة الإنجاز.
ولعل ما عزز هذه القناعة لدي لم يكن الاطلاع على التقارير الاقتصادية وحدها، بل الاستماع إلى قصص شباب حاولوا أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم. فقد التقيت خلال السنوات الماضية بعدد من الشبان الذين رفضوا انتظار الوظيفة، وقرروا أن يبدؤوا مشاريعهم الصغيرة، أملاً في تحقيق الاستقلال المادي وبناء مستقبلهم بعيدًا عن الاعتماد على الأسرة. لكن كثيرًا منهم اصطدم بواقع مختلف؛ فقبل أن يعرف الناس مشاريعهم، كانت الإيجارات، والضرائب، ورواتب العاملين، والمصاريف التشغيلية تستنزف معظم الإيرادات، لتنتهي بعض تلك المشاريع بالإغلاق وتراكم الديون... يتبع بالجزء الثاني
القطاع الخاص ورؤية التحديث الاقتصادي شراكة تصنع المستقبل(1-4)
11:57 30-6-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء