زراعة الأشجار ضرورة للحماية من الحرارة أكثر من كونها خياراً تجميلياً
أكد الخبير البيئي الدكتور أيوب أبو ديه أن الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة داخل المدن الأردنية، ولا سيما العاصمة عمّان، لم يعد مرتبطًا فقط بالتغير المناخي، وإنما يعود أيضًا إلى التوسع العمراني المتسارع وتراجع الغطاء النباتي، ما أدى إلى تفاقم ظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية» التي تجعل المدن أكثر سخونة من المناطق المحيطة بها.
وقال إن المدينة فقدت خلال العقود الأخيرة جزءًا كبيرًا من بساتينها ومساحاتها الخضراء لصالح المباني والطرق ومواقف المركبات، موضحًا أن الأسطح الإسفلتية والخرسانية والأرصفة الداكنة تمتص كميات كبيرة من أشعة الشمس نهارًا، ثم تعيد إطلاقها على شكل حرارة خلال ساعات المساء، الأمر الذي يرفع درجات الحرارة ويزيد من الإحساس بالحر.
وأضاف أن تأثير هذه الظاهرة يتضاعف مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا نتيجة التغير المناخي، حيث تزداد كمية الحرارة المختزنة في الأسطح العمرانية نهارًا، ثم تُشع إلى الهواء ليلًا، ما يؤدي إلى استمرار الأجواء الحارة حتى بعد غروب الشمس.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة لا يقتصر أثره على الشعور بعدم الراحة، بل ينعكس مباشرة على صحة الإنسان، خاصة كبار السن والأطفال ومرضى القلب والجهاز التنفسي، إضافة إلى العاملين في المهن المكشوفة كالبناء والزراعة والطرق، محذرًا من مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف وضربات الشمس خلال موجات الحر.
وأكد أبو ديه أهمية اتخاذ إجراءات وقائية، من بينها الإكثار من شرب المياه، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس في ساعات الذروة، وأخذ فترات راحة في أماكن مظللة أو مكيفة، إلى جانب ارتداء الملابس الفاتحة التي تعكس أشعة الشمس وتحد من امتصاص الحرارة.
وأوضح أن زيادة الغطاء النباتي تمثل أحد أكثر الحلول فاعلية، لما توفره الأشجار من ظل، ودورها في تبريد الهواء عبر عملية النتح، مبينًا أن الدراسات تشير إلى أن المناطق الغنية بالأشجار تكون أبرد بعدة درجات مئوية مقارنة بالمناطق الإسفلتية المجاورة.
وانتقد استمرار إزالة الأشجار في بعض المناطق لصالح مشاريع عمرانية أو توسعة الطرق دون تعويضها بأعداد كافية أو بأنواع ملائمة للبيئة المحلية، مشيرًا إلى وجود تشريعات تلزم بزراعة جزء من مساحة الأراضي قبل منح إذن الأشغال، داعيًا إلى تطبيقها بما يسهم في استعادة الغطاء الأخضر للعاصمة.
ولفت إلى أن ارتفاع حرارة الأسطح والشوارع يؤدي أيضًا إلى زيادة استهلاك الكهرباء نتيجة الاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف، ما يرفع كلفة الطاقة ويزيد الانبعاثات الكربونية إذا كانت الكهرباء منتجة من الوقود الأحفوري.
ودعا إلى اعتماد مواد بناء وطرقات أكثر ملاءمة للمناخ، مثل الخرسانة والأسطح الفاتحة والطلاءات العاكسة للحرارة، إضافة إلى استخدام تقنيات «الرصف البارد» والمواد النفاذة للمياه التي تخفض درجات حرارة الطرق وتساعد في الحد من الفيضانات.
وأشار إلى أهمية استبدال الواجهات الزجاجية، خصوصًا في الواجهات الجنوبية والغربية، بمواد طبيعية أكثر قدرة على عكس الحرارة، وزراعة الأشجار في الجزر الوسطية وعلى جانبي الطرق، وإنشاء مواقف مركبات مظللة بالأشجار أو بالألواح الشمسية لتوليد الطاقة النظيفة.
وأكد أبو ديه أن المساحات الخضراء لا تسهم فقط في خفض درجات الحرارة، وإنما تحسن جودة الهواء، وتمتص جزءًا من ثاني أكسيد الكربون والملوثات، وتساعد على تغذية المياه الجوفية والحد من انجراف التربة، فضلًا عن توفير بيئة أكثر راحة وصحة للسكان.
واستشهد بتجارب عالمية ناجحة في مدن مثل سنغافورة وبرشلونة ولندن وباريس، التي اعتمدت الحدائق العمودية والأسطح الخضراء والممرات البيئية والتشجير الحضري للحد من ظاهرة الجزر الحرارية وتحسين جودة الحياة.
وأشار إلى أن الأشجار المحلية، مثل الزيتون والخروب والسدر والبلوط، أثبتت كفاءتها في البيئة الأردنية لقدرتها على تحمل الجفاف وتوفير الظل وخفض درجات حرارة الشوارع، داعيًا البلديات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي إلى إطلاق حملات تشجير واسعة، والعناية بالأشجار خلال سنواتها الأولى لضمان استدامتها.
وختم أبو ديه بالتأكيد أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين التنمية العمرانية والطبيعة، موضحًا أن مستقبل المدن يعتمد على تبني مفهوم البنية التحتية الخضراء التي تدمج بين الطرق والمساحات المزروعة والأسطح الخضراء، بما يعزز قدرة المدن على التكيف مع التغير المناخي، ويجعلها أكثر راحة واستدامة للأجيال القادمة.