كتاب

تفاقم الجريمة في العالم العربي بين التحليل والحلول (3-3)

ليس حجم الجريمة فقط ما تغير، بل طبيعتها أيضاً تحولت تحولاً جذرياً مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود. فإذا كانت الجريمة التقليدية تتمثل في السرقة أو الشروع بالقتل إثر خصومات عائلية، فإن المشهد اليوم يهيمن عليه جرائم إلكترونية متطورة كالابتزاز الرقمي، والاحتيال المالي عبر شبكات التواصل وغيرها .كما انتقل العنف جزئياً من الفضاء المادي إلى الفضاء الافتراضي: فالمضايقات الإلكترونية، والتهديد بالفضح، ونشر الشائعات التشهيرية أصبحت وسائل إيذاء قد تكون أكثر إيلاماً من الضرب الجسدي في مجتمعات تربط الشرف بالسمعة الرقمية. واللافت أيضاً صعود جرائم منظمة عابرة للحدود، كالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، التي تستغل الثغرات الأمنية بين الدول العربية وغياب التنسيق القضائي الموحد. بالمقابل، تراجعت بعض أنواع الجرائم التقليدية في المدن الكبرى؛ بسبب انتشار كاميرات المراقبة وأنظمة الإنذار المبكر، لكنها هاجرت إلى الأرياف والأحياء العشوائية. هذا التحول في نمط الجريمة يتطلب تحولاً مماثلاً في آليات الردع والوقاية، من شرطي يحمل بندقية إلى فريق تقني يحقق في البصمة الرقمية، ومن عقوبة السجن إلى حماية الضحايا نفسياً وقانونياً في فضاء لا تعترف فيه الجرائم بالحدود الجغرافية.
حيث نصل إلى سؤال حاسم؛ لماذا يشعر الناس في كثير من الدول العربية بأن الجريمة تتفاقم بشكل كبير، رغم أن الأرقام الرسمية للقتل والجرائم الكبرى لا تظهر بالضرورة ارتفاعاً حاداً؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل مترابطة. أولها: تأثير الإعلام المتسارع، حيث تغطي القنوات الإخبارية ومنصات التواصل الحادثة الجنائية الواحدة لعشرات الساعات، وتعيد بث تفاصيلها المروعة، مما يجعلها حاضرة في الذاكرة الجمعية وكأنها حدث يومي. ثانيها: ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ'تحيز التوفر' (Availability Bias)، أي أننا نحكم على وتيرة الظاهرة بسهولة استحضار أمثلتها في الذهن؛ فالجريمة البشعة التي نراها على الهاتف قبل النوم تبقى عالقة في الأذهان أكثر من آلاف الليالي الهادئة. ثالثها: تضخيم الجرائم الفردية على السوشيال ميديا، حيث تتحول قضية قتل واحدة إلى 'ترند' وطني لأسابيع، ويتم تداول صور الضحية والجاني بملايين المشاهدات، مما يخلق وهماً بأن المجتمع غرق في موجة عنف غير مسبوقة. هذا لا يعني إنكار وجود جرائم حقيقية، بل يعني ضرورة التمييز بين الذعر الإعلامي والتحليل الإحصائي الهادئ، وأهمية أن تركز السياسات الوقائية على الحقائق لا على المخاوف المضخمة.
* بناءً على التحليل أعلاه، اقترح تدخلات متعددة المستويات. على المستوى النفسي، تدعو وزارات الصحة إلى إنشاء عيادات نفسية وخط ساخن يعمل على مدار الساعة، بهدف خفض محاولات الانتحار بنسبة 30% في غضون ثلاث سنوات، مع تقدير تكلفة أولية من الدعم الدولي والميزانيات المحلية. وعلى المستوى الاجتماعي-الاقتصادي، يمكن لوزارات العمل والتنمية تبني برنامج دخل مشروط للأسر الفقيرة، مع إدراج موضوعي 'إدارة الغضب' و'التفكير النقدي' في المناهج الدراسية.
على صعيد الإعلام، يُقترح أن تضع هيئات الإعلام مدونة سلوك ملزمة تمنع تمجيد الجاني. أما على المستوى العابر للحدود، فأدعو جامعة الدول العربية إلى تأسيس اتحاد عربي لمكافحة الجريمة والجريمة الإلكترونية.
ولكي تكون هذه الحلول قابلة للتنفيذ في السياق العربي الراهن، لا بد من تقييم سريع لجدواها. فالعيادات النفسية تحتاج إلى شراكة مع منظمات المجتمع المدني لتعويض نقص الكوادر، ويمكن البدء بعيادة متنقلة تجريبية في حي عشوائي واحد . أما برنامج الدخل المشروط (المبلغ المالي + تدريب) فقد يصطدم بمحدودية الموازنات، لذا فإن البديل الواقعي هو ربط التحويلات النقدية القائمة أصلاً (برامج التكافل) بحضور جلسات دعم نفسي جماعي.
* الخلاصة، أن الجريمة مؤشر على أزمات عميقة. تدعونا إلى معالجة الأولويات من الجذور الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ولا يكون هذا مكتملا إلا مع التعاون العربي. لا ننكر أن الوعي هو الخطوة الأولى، ولمن الإرادة السياسية هي المفتاح.