كتاب

حين يصبح الحضور غيابًا.. الاغتراب في بيئة العمل

ليس كل من يحضر إلى عمله حاضرًا بالمعنى الحقيقي للحضور، فبعض الموظفين يأتون إلى مكاتبهم في الموعد المحدد، وينجزون ما يُطلب منهم بكفاءة ومسؤولية، ويواصلون أداء واجباتهم اليومية دون تقصير، لكن شيئًا ما في داخلهم يكون قد انسحب بصمت. لم يعودوا يقترحون الأفكار التي اعتادوا طرحها، ولم يعودوا يبادرون بالحماس ذاته الذي كان يميزهم، لا لأنهم فقدوا القدرة على العطاء، بل لأنهم فقدوا الإيمان بأن ما يقدمونه قادر على إحداث فرق.
هذا هو أحد أشكال الاغتراب الوظيفي الأكثر خفاءً وتأثيرًا؛ ذلك الاغتراب الذي لا يظهر في طلبات الاستقالة أو الغياب المتكرر أو الاعتراضات العلنية، بل يتجسد في انطفاء الدافعية وتراجع المبادرة وانحسار الشعور بالجدوى. فالموظف قد يبقى في مكانه سنوات طويلة، لكنه يشعر تدريجيًا بأنه أصبح مجرد مؤدٍ للمهام لا شريكًا في صناعة القرار أو التطوير.
ومن خلال ما نعايشه في المؤسسات التربوية على وجه الخصوص، يمكن ملاحظة أن أسباب هذا الاغتراب لا ترتبط دائمًا بكثرة الأعباء أو صعوبة المسؤوليات، وإنما تنشأ أحيانًا عندما يشعر الإنسان بأن جهوده أصبحت أمرًا اعتياديًا لا يلقى التقدير الكافي، أو أن أفكاره لا تجد من يصغي إليها، أو أن مساهماته لا تترك أثرًا ملموسًا في محيط العمل. وعندما يكتشف الموظف أن الصمت يحقق النتيجة ذاتها التي يحققها الكلام، يبدأ بالتراجع عن المبادرة، لا عن أداء الواجب.
وتزداد أهمية هذه القضية في المؤسسات التربوية لأنها مؤسسات تُعنى ببناء الإنسان قبل أي شيء آخر. فالبيئة التي تصنع المعرفة وتنمي الأجيال مطالبة أيضًا بأن تحافظ على مشاعر الانتماء والتقدير لدى العاملين فيها. فالكفاءات لا تختفي فجأة، والخبرات لا تتلاشى بين ليلة وضحاها، لكنها قد تنكمش وتتوارى عندما يفقد أصحابها الثقة بأن وجودهم مؤثر وأن أصواتهم مسموعة.
إن الشعور بالقيمة ليس ترفًا إداريًا، بل حاجة إنسانية ومهنية تسهم في تعزيز الإنتاجية والإبداع والاستقرار المؤسسي. وحين يشعر العاملون بأنهم شركاء في النجاح، وأن جهودهم محل تقدير واحترام، فإنهم يقدمون أفضل ما لديهم طواعيةً وقناعةً، لا التزامًا بالواجب فحسب.
لذلك فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات على نفسها ليس: كم موظفًا غادر العمل أو أحيل إلى التقاعد؟ بل: كم موظفًا ما زال بيننا لكنه توقف عن المحاولة؟ وكم من طاقة بشرية ما زالت حاضرة جسدًا وغائبة شعورًا؟
فالاغتراب الحقيقي لا يبدأ عندما يغادر الإنسان مكان عمله، بل عندما يفقد إحساسه بالانتماء والجدوى وهو ما يزال يجلس على مقعده كل صباح. وعندها لا تخسر المؤسسة موظفًا واحدًا، بل تخسر جزءًا من روحها وقدرتها على التجدد والتطور.