تحمل مؤشرات التضخم في الأردن خلال السنوات الأخيرة دلالات تتجاوز الأرقام المجردة؛ إذ تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على استقرار الأسعار ضمن مستويات معتدلة، رغم موجات الغلاء التي شهدها العالم وما رافقها من اضطرابات في الطاقة والشحن وسلاسل التوريد.
فبين عامي 2021 و2025، بلغ متوسط التضخم في المملكة نحو 2.2 بالمئة، مقابل متوسط عالمي تجاوز 5.1 بالمئة، وهي فجوة تحمل دلالات اقتصادية تتجاوز المقارنة الرقمية، لتشير إلى اختلاف في قدرة الاقتصادات على إدارة الضغوط التضخمية خلال واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية اضطراباً خلال العقود الأخيرة.
وقد جاءت هذه المرحلة بعد خروج العالم من تداعيات جائحة كورونا، حين واجهت الأسواق موجة طلب واسعة رافقتها اختناقات في سلاسل التوريد وارتفاعات حادة في أسعار السلع والطاقة والنقل. وبينما بدأت الضغوط العالمية بالتصاعد منذ عام 2021، ووصلت ذروتها خلال عام 2022، تمكن الاقتصاد الأردني من إبقاء مستويات الأسعار ضمن نطاق أكثر استقراراً مقارنة بالاتجاه العالمي.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة إذا ما أُخذت طبيعة الاقتصاد الأردني بعين الاعتبار؛ فالمملكة تُعد من الاقتصادات المنفتحة والمتأثرة مباشرة بتحركات الأسواق الدولية، سواء من خلال الطاقة أو الغذاء أو التجارة والنقل. ورغم ذلك، لم تشهد السوق المحلية اختلالات كبيرة في توفر السلع خلال السنوات الماضية، كما حافظت القطاعات الإنتاجية على استمرارية عملها وقدرتها على تلبية جانب مهم من الاحتياجات المحلية.
كما تكشف الأرقام أن أدوات السياسة الاقتصادية لعبت دوراً محورياً في احتواء الضغوط السعرية، سواء من خلال الإجراءات المرتبطة بإدارة كلف بعض السلع الأساسية، أو عبر السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي الأردني للمحافظة على الاستقرار النقدي وضبط التوقعات التضخمية، ما حدّ من انتقال موجات الغلاء العالمية إلى السوق المحلية بوتيرة مماثلة.
ومع بدء تراجع التضخم العالمي تدريجياً بعد موجات التشديد النقدي ورفع أسعار الفائدة في العديد من الاقتصادات الكبرى، واصل الأردن تسجيل مستويات تضخم منخفضة، حيث استقر المسار خلال الأعوام اللاحقة ضمن نطاق بقي أقل من المستويات العالمية، وهو ما عزز من استقرار القوة الشرائية وحدّ من التقلبات السعرية الحادة.
وتأتي أهمية هذا الأداء في توقيت يواجه فيه الاقتصاد العالمي جولة جديدة من الضغوط التضخمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتعطل بعض مسارات التجارة الدولية وارتفاع كلف الشحن والطاقة، وهي عوامل دفعت المؤسسات الدولية إلى التحذير من استمرار الضغوط على الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
ورغم استمرار هذه المتغيرات، تشير المؤشرات المحلية إلى بقاء التضخم ضمن مستويات معتدلة، بما يعكس استمرار قدرة الاقتصاد الأردني على الحفاظ على التوازن بين النشاط الاقتصادي واستقرار الأسعار، وهي معادلة تُعد من أكثر المؤشرات تأثيراً على بيئة الاستثمار وثقة الأسواق واستدامة النمو.
وفي المحصلة، فإن الحفاظ على تضخم منخفض خلال فترة شهدت اضطرابات غير مسبوقة عالمياً لا يعني غياب الضغوط الاقتصادية، لكنه يعكس قدرة أعلى على إدارتها، ويؤكد أن استقرار الأسعار لم يعد مجرد مؤشر نقدي، بل أحد عناصر المنعة الاقتصادية التي تحافظ على قدرة الاقتصاد على الاستمرار في بيئة عالمية أكثر تقلباً وأقل يقيناً.