كتاب

حين يتحوّل الشغف إلى مخاطرة.. ماذا تعلّمنا قصة "سبايدر مان اليمن"؟

أعادت قصة الشاب اليمني المعروف إعلاميًا بـ'سبايدر مان اليمن' إلى الواجهة سؤالًا نفسيًا مهمًا: لماذا يختار بعض الأشخاص مواجهة مخاطر قد تنتهي بالموت، بينما يكتفي معظم الناس بالمشاهدة من بعيد؟
من منظور علم النفس، لا يمكن تفسير مثل هذه السلوكيات على أنها تهور أو بحث عن الشهرة فقط. فهناك أشخاص يمتلكون ما يُعرف بارتفاع الحاجة إلى الإثارة والمغامرة، حيث يشعرون بمتعة نفسية كبيرة عند خوض التجارب الصعبة وتجاوز الحدود المألوفة، بالنسبة لهم، لا تمنحهم الحياة اليومية الإحساس نفسه بالحيوية الذي تمنحه مواجهة التحديات الخطرة.
وغالبًا ما يتمتع هؤلاء الأشخاص بدرجة عالية من الثقة بالنفس والقدرة على السيطرة على الخوف وتحمل الضغوط. ومع تكرار النجاح في المواقف الخطرة، يتولد لديهم شعور متزايد بالقدرة على التحكم بالنتائج، وهو ما يصفه علماء النفس بـ'وهم السيطرة'. فالعقل يبدأ بإقناع صاحبه بأنه طالما نجا سابقًا فإنه سيواصل النجاة دائمًا، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
كما أن التعرض المستمر للخطر يؤدي إلى تراجع الإحساس الطبيعي بالخوف. فالمغامرة التي كانت تبدو مرعبة في البداية تصبح مع الوقت مألوفة، ما يدفع بعضهم إلى رفع مستوى المخاطرة تدريجيًا بحثًا عن الشعور نفسه بالإثارة؛ ولهذا نجد أن كثيرًا من الحوادث المأساوية لا تقع في أول تجربة، بل بعد سلسلة طويلة من النجاحات السابقة.
ولا يمكن تجاهل دور وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الظاهرة، فالإعجابات والمشاهدات والتعليقات المشجعة قد تتحول إلى مصدر تعزيز نفسي قوي، يجعل بعض صناع المحتوى يشعرون بضرورة تقديم مشاهد أكثر جرأة وخطورة للحفاظ على اهتمام الجمهور، ومع الوقت قد يصبح الشخص أسيرًا لفكرة أن قيمته مرتبطة بقدرته على إبهار الآخرين، حتى لو كان الثمن سلامته الشخصية.
وفي المقابل، من الطبيعي أن ينجذب الناس إلى الشخصيات التي تتحدى المستحيل، لأنهم يرون فيها صورة لأحلامهم المؤجلة ورغبتهم الفطرية في تجاوز القيود والخوف، لكن الإعجاب بالشجاعة لا يعني الموافقة على السلوك أو تشجيعه، فهناك فرق كبير بين تقدير الإرادة الإنسانية وبين تمجيد تعريض النفس للهلاك.
وهنا تبرز رسالة تربوية ونفسية مهمة، وهي ضرورة تعليم الأجيال مفهوم 'المخاطرة الذكية'، فليس المطلوب قتل روح المغامرة أو إطفاء الطموح، بل تعلّم الموازنة بين الشغف والحكمة، وبين الجرأة والمسؤولية؛ فالعقل الناضج ليس الذي يتجاهل الخطر، بل الذي يعرف كيف يحسبه ويتعامل معه.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، فالحياة أمانة، وليست وسيلة للمقامرة من أجل الشهرة أو الترند أو المكاسب المادية.
لقد رحل 'سبايدر مان اليمن'، وبقيت قصته تذكّرنا بأن البطولة الحقيقية ليست في الاقتراب من حافة الموت، بل في تحقيق الإنجاز والإلهام مع الحفاظ على النفس وسلامتها، فليس كل ما يبهر الناس يستحق أن نفعله، ولا كل ما يجلب الشهرة يستحق أن نخاطر من أجله بأغلى ما نملك: حياتنا.
أخصائية العلاج النفسي