"زهور الطفيلة".. عشرات فرص العمل في المشروع الأول من نوعه بالجنوب

تاريخ النشر : الثلاثاء 03:15 16-6-2026
No Image

بين أرقام بطالة محلية تقرع ناقوس الخطر لتسجل حوالي 30 بالمائة بين إناث محافظة الطفيلة، وفاتورة استيراد وطنية تتجاوز 20 مليون دولار تنفقها الفنادق والفعاليات الأردنية سنوياً على الزهور المقطوفة المستوردة؛ يولد من أرحام التحديات التنموية في محافظة الطفيلة مشروعٌ استراتيجي عابر للمألوف بتمويل ضخم يقارب المليوني دولار ممول من صندوق (IBSA) الدولي، وبشراكة تنفيذية بين هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) ووزارة الزراعة الأردنية.

هذا المشروع، الذي يعد أحد أكثر مشاريع الاقتصاد الأخضر طموحاً في قطاع الجنوب، لا يستهدف فقط كسر جمود البطالة التقليدية، بل يطرح معادلة علمية لإعادة هندسة "الذكاء المائي" عبر تحويل المياه العادمة المعالجة إلى زهور ذات قيمة تصديرية عالية نحو الأسواق المحلية والإقليمية، فكيف سينتقل هذا المشروع من ردهات المنظمات الدولية إلى أيادٍ مؤسسية محلية تضمن نجاحه؟ وما هي معايير الجاهزية التي تتطلبها البيئة التعاونية والجمعيات في المحافظة لاحتضان هذه القفزة التنموية؟

مفارقة الفقر وفرص التصدير

عند البحث بلغة الأرقام في محافظة الطفيلة، تصطدم جهود التنمية بحقائق ميدانية؛ فمعدل البطالة العام في المحافظة يعتبر تحديا امام الجنسين، لتفرض هذه المؤشرات تساؤلاً جوهرياً حول جدوى المشاريع التشغيلية التقليدية التي لم تعد قادرة على استيعاب طاقات شابات المحافظة، اللواتي يشكلن بالفعل نصف العمالة الزراعية الحالية، ولكن دون عوائد اقتصادية منصفة أو مستقرة.

وفي المقابل، تكشف البيانات التسويقية عن سوق اقتصادي واعد؛ إذ تنفق الفنادق والقطاعات السياحية في الأردن ما يزيد عن 20 مليون دولار سنوياً للاستيراد من الخارج، في حين يتجاوز حجم سوق الزهور المقطوفة في دول الخليج العربي حاجز الـ 250 مليون دولار سنوياً.

الكفاءات تبحث عن فرص، اذ تقف عشرات الكفاءات الأكاديمية اللواتي يجدن في المشروع بارقة أمل متجددة، حيث قالت إحدى المهندسات من لواء بصيرا التي رفضت الكشف عن اسمها وهي خريجة متعطلة عن العمل منذ ثلاث سنوات من الطفيلة إننا نمتلك المعرفة العلمية والطاقة الأكاديمية، لكننا نصطدم دائماً ببنية تحتية زراعية تقليدية ومحدودة لا تستوعب تخصصاتنا، فإدخال قطاع تكنولوجي متطور كزراعة الزهور بناءً على أسس علمية يمثل طوق نجاة حقيقي لنا، ويفتح الباب لإنشاء مشاريع ريادية مستقلة بدلاً من الانتظار الطويل لقطار الوظيفة.

هندسة "الذكاء المائي" في مواجهة الشح

في بلد يُصنف كأحد أفقر دول العالم مائياً بحصة فرد تقل عن 100 متر مكعب سنوياً، يصبح الحديث عن زراعة الزهور الحساسة مخاطرة غير محسوبة، ما لم يقترن بابتكار حقيقي، وهنا تكمن النواة البيئية للمشروع؛ حيث سيعتمد كلياً على إعادة الاستخدام الآمن للمياه المستصلحة المتدفقة من محطة تنقية الطفيلة، والتي تضخ يومياً ما بين 5,000 إلى 7,500 متر مكعب من المياه المعالجة المطابقة للمواصفة القياسية الأردنية.

وتشير الدراسات الفنية الرسمية إلى أن الدونم الواحد من الزهور المقطوفة داخل البيوت البلاستيكية الحديثة يستهلك حوالي 600 إلى 800 متر مكعب من المياه سنوياً، وهو استهلاك يقل بنسبة 40 بالمائة عن المحاصيل الخضرية التقليدية المكشوفة، بينما يدر عائداً ربحياً صافياً للدونم الواحد يقفز بمستويات الديمومة المالية للأسر المستفيدة مقارنة بالزراعات التقليدية ذات المردود المحدود.

انعطافة استراتيجية وأراضي بالمجان

وفي هذا السياق؛ أكد مدير زراعة محافظة الطفيلة، المهندس بلال الهلول، أن الوزارة تنظر إلى هذا المشروع بوصفه انعطافة استراتيجية في الممارسات الزراعية التنموية في الجنوب، تتناغم تماماً مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي والاستراتيجية الوطنية للزراعة.

وأضاف الهلول أن التزام وزارة الزراعة يتجاوز تقديم الدعم الإداري التقليدي؛ حيث شملت الإجراءات حصر وتخصيص مساحات الأراضي الحكومية الملائمة مجاناً لصالح المشروع، إلى جانب ضمان تزويدها بالمياه المعالجة بدون تكلفة إنتاجية على السيدات والمزارعين، مما يحل المعضلة الأزلية التي تواجه الاستثمار في المحافظة وهي كلف التأسيس وشح المياه العذبة.

وحول آليات ومعايير تشغيل السيدات والعدالة في توزيع الفرص، أوضح الهلول أننا ندرك حجم التحديات ومعدلات البطالة بين إناث المحافظة، ولذلك لن تكون عملية الاختيار عشوائية أو خاضعة للاجتهادات، حيث سيتم تطبيق معايير شفافة وصارمة تمنح الأولوية المطلقة للشابات المتعطلات عن العمل، وخريجات تخصصات الهندسة الزراعية والعلوم، والنساء المعيلات لأسرهم في المناطق الريفية والأقل حظاً في الطفيلة، لضمان تحويل فرص الدخل المباشرة إلى ركائز استقرار اقتصادي حقيقي وملموس لبيوتهن.

التشغيل وعقدة "الملكية المؤسسية"

لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا المشروع الأممي في ميزانيته فحسب؛ بل في الفلسفة التشغيلية التي يطرحها لكسر النمطية في مشاريع التمكين المؤقتة، حيث يستهدف توفير 115 فرصة دخل مباشرة (تتوزع بين 65 وظيفة رسمية مسجلة داخل مركز الإنتاج المشترك و50 مشروعاً منزلياً صغيراً)، إلى جانب تأهيل 200 مستفيدة ومستفيد بشكل غير مباشر من أصحاب الحيازات الزراعية القائمة، ليتكامل البناء برفع قدرات 348 مستهدفاً من أبناء المحافظة عبر برامج مكثفة تشمل الريادة، الإدارة المالية، وتقنيات الزراعة الذكية مناخياً.

بيد أن الرهان الحقيقي والمنعطف الأبرز في هذا المشروع يرتبط بـ "بند الملكية المؤسسية" الصارم الوارد في وثائق الاتفاقية؛ إذ تشترط هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) ألا يظل المشروع مداراً من قِبل جهات دولية أو خارجية، بل يتم تسليم العمليات والإدارة والأصول تدريجياً خلال 24 شهراً إلى منظمة مجتمع مدني أو جمعية تعاونية محلية مؤهلة تقودها النساء في محافظة الطفيلة.

هذا الشرط المانع يضع البيئة التعاونية والجمعيات العريقة في المحافظة أمام اختبار حقيقي لمدى جاهزيتها وحوكمتها الإدارية والمالية لاستلام وإدامة منشأة إنتاجية وتصديرية بهذا الحجم، لضمان ألا يتحول المشروع إلى "مبادرة مؤقتة" تنتهي بانتهاء عمر المنحة الدولية.

وفي هذا الصدد، يرى رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية عامر الخوالدة أن هذا الشرط يمثل نقطة التحول الحقيقية نحو التنمية والاعتماد على الذات، مشيداً بالدور التاريخي والمحوري الذي تلعبه الجمعيات في المحافظة، مضيفا أن اتحاد الجمعيات الخيرية ينظر إلى هذه المشاريع التنموية والشراكة مع الجمعيات بنظرة محورية تمثّل أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني المحلي.

وأضاف الخوالدة ان الأردن بشكل عام والطفيلة بشكل خاص تمتلك جمعيات عريقة ومؤهلة، ولديها سجل حافل بالنجاحات وإرث ممتد في إدارة المنح الدولية ومشاريع الحصاد المائي، وهي قادرة تماماً على إنجاح هذا النموذج الاستثماري الجديد.

وأكد على ان المرأة في محافظة الطفيلة أثبتت نجاحاً باهراً وغير قابل للتشكيك في قيادة المحور التطوعي، والخيري، والإنساني، والاجتماعي، فعلى مدار سنوات؛ قادت سيدات الطفيلة بهيئاتهن الإدارية والتشغيلية في الجمعيات المحلية دفة التغيير بثبات، ومهنية، ومسؤولية عالية جداً، ونفذن مشاريع ريادية لامست احتياجات المجتمع الفورية وعززت صمود الأسر ريفياً، مما تمنح هذه التراكمية من النجاح الثقة المطلقة بأن قيادة المرأة لهذا المشروع الزراعي والتصديري ستكون نموذجاً يُحتذى به على مستوى محافظة الطفيلة الهاشمية.

وأكد على الجاهزية التامة للمرحلة المقبلة من خلال الدعم والتشاركية إلى جانب وزارة الزراعة التي نظرت إلى هذا المشروع بدعم وتمكين حقيقي، ليكون هذا المشروع مؤسسة إنتاجية حقيقية ناجحة تملكها وتديرها سيدات الطفيلة بكفاءة تصديرية واقتدار.

استلهام التجربة الأفريقية

أن تزرع زهرة بجودة عالمية في الطفيلة هو نصف النجاح، أما النصف الآخر والأصعب فيكمن في اللوجستيات؛ فنقلها وهي "مقطوفة" وغضة إلى طاولة الفندق في عمان أو إلى الطائرة المتجهة نحو عواصم الخليج وأوروبا يجعل قطاع الزهور حساساً جداً لعنصر الوقت وسلسلة التبريد المتكاملة من لحظة القطف وحتى التسليم النهائي لتجنب خسارة المحصول.

هنا؛ تبرز في وثيقة المشروع إشارة هامة إلى الاستفادة من تجربة "جنوب أفريقيا"، وهي من الدول الرائدة عالمياً في هذا القطاع، من خلال تطبيق مفهوم "الإنتاج حسب الطلب"، ودمج صغار المزارعين والسيدات في جمعيات تعاونية قوية تتولى التسويق والتعاقد المبرم مسبقاً مع الفنادق والشركات الكبرى، مما يضمن تقليص المخاطر التسويقية، وحماية المزارعات من تقلبات الأسعار، ويحظر عشوائية العرض، ليحول محافظة الطفيلة من منطقة مستهلكة تنموياً إلى مركز رائد ومصدر في سلاسل التوريد الخضراء.

ميزان النجاح والديمومة

تقف الطفيلة اليوم أمام نموذج استثماري وتنموي رائد بقيمة مليوني دولار يمتلك كل مقومات النجاح الموضوعية، من أراضٍ حكومية مجانية، وتدفق مياه مستصلحة نحوها، وسوق استهلاكي إقليمي ومحلي متعطش، وطاقات بشرية نسائية متعطشة للعمل والإنتاج.

ومع ذلك؛ فإن العبرة الحقيقية تظل معلقة بمدى نجاح الشراكة بين وزارة الزراعة والمنظمات الدولية والمجتمع المحلي في تهيئة وحوكمة الكيانات المحلية (الجمعيات أو التعاونيات القائمة أو المستحدثة) القادرة فكرياً وإدارياً ومالياً على قيادة هذا المركز الإنتاجي وإبرام عقوده التصديرية؛ لتبقى زهور الطفيلة ناضرة في الأسواق، وتتحول مياه التدوير إلى رافعة حقيقية لاقتصاد المحافظة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }