قبل ساعات من موعد زفافه، كان الشاب الفلسطيني مهند عثمان فروانة يستعد لبدء حياة جديدة برفقة عروسه جنوبي قطاع غزة، لكن غارة إسرائيلية أنهت تلك الاستعدادات وحولت المناسبة المنتظرة إلى مأتم.
وفجر السبت، قُتل فروانة (25 عاما) وأُصيب آخرون في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة أقامها فوق سطح منزل عائلته في مدينة خان يونس.
ولم يتبق من تجهيزات الزفاف سوى بدلة ممزقة يكسوها غبار القصف، تم انتشالها من تحت ركام الخيمة، التي كانت تمثل مسكنه الجديد برفقة عروسه، لتبقى شاهدا على الكلفة الإنسانية لاستمرار العدوان على غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وبدلا من أن يحمل مهند فروانة باقة زهور ويتجه إلى عروسه في يوم انتظره طويلا، شيّعه أقاربه إلى مثواه الأخير.
يأتي ذلك، بينما تواصل إسرائيل خروقاتها اليومية لاتفاق وقف النار الذي بدأ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما أدى لمقتل 951 فلسطينياً وإصابة 2984 آخرين.
'عريس في الجنة'
في المكان الذي كان يفترض أن يشهد فرحته الكبرى، لم يبقَ سوى الركام وآثار الحريق الذي التهم غالبية مقتنيات فروانة.
وسط المشهد القاسي، وقف أطفال صغار يراقبون الدمار بصمت، بينما كانت شقيقة فروانة تبحث بين الركام عما تبقى من مستلزمات جهزها شقيقها لزفافه، علها تعثر على شيء نجا من القصف وتحتفظ به للذكرى.
بخطوات متثاقلة، صعدت والدة مهند، منيرة فروانة، إلى سطح المنزل لتتفقد المكان الذي قُتل فيه نجلها الأكبر بلا ذنب.
كانت فروانة تحمل بين يديها بدلة الزفاف التي مزقتها شظايا القصف، فيما لم تفارق الدموع عينيها.
وقالت بصوت يقطعه البكاء: 'قتلوه في ليلة عمره، الحمد لله على كل حال'.
وأضافت وهي تضم بدلة زفاف نجلها إلى صدرها: 'جهز أغراضه وبدلة زفافه، وكنا نتحضر بلهفة وتشوق لهذا اليوم، لكن قدر الله أن يُزف إلى الجنة'.
وتابعت: 'خلال الأيام الماضية كنا فرحين جداً بقرب زفاف ابني الأكبر، أول فرحتي، ولم نكن نعلم أن الفرحة ستنقلب إلى عزاء'.
لكنها استدركت: 'ابني عريس في الجنة إن شاء الله.. سرقوا مني فرحة عمري'.
الساعات الأخيرة
قبل ساعات من مقتله، قالت والدة مهند إن أصدقاءه أقاموا له مساء الجمعة حفلا شبابيا عشية يوم الزفاف، وكانت الأجواء مليئة بمشاعر الفرحة.
وتابعت: 'بعد انتهاء الحفل صعد إلى سطح المنزل حيث أقام خيمته التي كان من المفترض أن يزف فيها، وما هي إلا سويعات حتى باغتنا قصف إسرائيلي غادر في ساعات الفجر أدى لاستشهاده'.
ثم أجهشت بالبكاء مرددة: 'راح (قُتل) ابني، شهيد عند رب العالمين.. حبيب قلبي يا أمي'.
وتصف منيرة نجلها بأنه 'شمعة العائلة ونوارة الحارة'، مضيفة: 'كان محبوبا من الجميع، خلوقا ومؤدبا (..) اصطفاه الله ليرتقي إلى جواره'.
وبينما كانت تستعيد مقاطع مصورة من حفله الأخير، تساءلت بحرقة: 'لماذا تفعل إسرائيل بنا هذا؟ يقولون هدنة ووقف إطلاق نار، لكن القتل لا يتوقف. نحن نسكن بعيداً عن تواجد الجيش ولا نؤذي أحداً، فلماذا يقصفوننا بهذا الشكل؟'.
'رحيل حرق القلوب'
أما محمد القدرة، زوج شقيقة فروانة، فقال إن مهند كان يعيش أسعد أيامه بينما كان يستعد لحياته الجديدة، لكن الاحتلال 'أبى إلا أن يقتله ويقتل فرحتنا معه ويحرق قلوبنا'.
وأشار، في حديث للأناضول، إلى أن الشهيد كان قد انتهى من تجهيز الخيمة التي سيعيش فيها مع عروسه، وأن كل الترتيبات كانت جاهزة لاستقبال يوم الزفاف.
وقال وهو يشير إلى آثار الدمار: 'كان عريسنا يجهز خيمته التي سيعيش فيها هو وعروسه، وكان كل شيء جاهزاً، لكن القصف عصف بكل هذا. كما ترون، الخيمة وما حولها انقلبت إلى دمار وخراب، وقضى العريس شهيداً'.
وبين دعوات الزفاف التي وزعت قبل أيام وصور الحفل الشبابي الذي سبق مقتله بساعات، بقيت قصة العريس الفلسطيني شاهداً جديداً على حياة مؤجلة وأحلام انتهت تحت ركام الحرب.
تشييع الجثمان
وظهر السبت، شيع الفلسطينيون جثمان فروانة من مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، قبل مواراته الثرى في مقبرة المدينة.
وقال عمّه (شقيق والده) حسن فروانة، للأناضول: 'أمس كنا مبسوطين واحتفلنا بقرب زفافه.. لكن هذا قدرنا في غزة'.
وأشار إلى أن فروانة كان سعيدا جدا بهذه اللحظات فيما كان ينتظر حفل زفافه 'بفارغ الصبر'.
واستكمل قائلا: 'الاحتلال لا يريد لنا أن نسعد أو نهنأ بحياتنا. نعيش يوميا القتل رغم الهدنة التي يتم الحديث عنها عبر الإعلام فقط. على أرض الواقع القتل والدمار يحدث كل يوم. وهذا قدرنا بغزة'.
وجرى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بعد عامين من حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، واستمرت لاحقا بأشكال متعددة، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 173 ألف جريح، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.