سياسات إسرائيلية لفرض واقع ديمغرافي جديد في الأراضي الفلسطينية
تدير إسرائيل والولايات المتحدة الصراع في الأراضي الفلسطينية بعقلية تقوم على «الإبادة البطيئة» في قطاع غزة و«الإفقار الممنهج» في الضفة الغربية، وفق ما ورد في تقارير وتحليلات سياسية متقاطعة، أشارت إلى وجود توجهات سياسية واقتصادية وأمنية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي في الأراضي الفلسطينية.
وتشير معطيات سياسية إلى أن وثيقة مسربة تحدثت عن أن التوجه الأمريكي لا يختلف كثيراً في جوهره عن التوجه الإسرائيلي، مع دعم سياسي ومالي مستمر للسياسات الإسرائيلية، كما نقلت مصادر أممية وصفاً للوضع في غزة بأنه «كارثة حقيقية تتفاقم يوماً بعد يوم».
وفي غزة، أفادت تقارير بأن إسرائيل تواصل منع إدخال آلاف الخيام، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وسط تسجيل حالات وفاة لأطفال نتيجة البرد القارس والحر الشديد، بحسب ما أورده مقررون أمميون.
كما نُقل عن نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام، أن مسار وقف إطلاق النار في غزة مرتبط ببند رئيسي يتعلق بنزع سلاح حركة حماس، محذراً من أن عدم الالتزام ببنود الخطة قد يؤدي إلى استئناف العمليات العسكرية، في حين يرى مراقبون أن هذا الطرح يمنح غطاءً لاستمرار ما وصفوه بـ«العقاب الجماعي».
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن الخروقات في غزة تجاوزت 2200 خرق منذ بدء التهدئة، وأسفرت عن مئات الشهداء وآلاف الجرحى، فيما تحدثت مصادر سياسية عن توجه إسرائيلي لزيادة السيطرة على مناطق واسعة من القطاع، ضمن ما يُعرف بـ«المناطق الصفراء».
وفي الولايات المتحدة، أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أن «خطة ترامب ذات العشرين نقطة لا تتطلب السيطرة على 70% من غزة»، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إدارة القطاع من قبل جهة غير تابعة لحركة حماس، وأن إعادة الإعمار مرهونة بملف نزع السلاح.
سياسياً، تربط تحليلات إسرائيلية هذا التصعيد بالاعتبارات الداخلية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول 2026، وتراجع شعبية الائتلاف الحاكم، إلى جانب فشل الحكومة في تحقيق أهدافها المعلنة في غزة ولبنان وإيران، ما انعكس، وفق هذه التحليلات، على مكانة إسرائيل الدولية.
وفي الضفة الغربية، تتحدث تقارير عن تصاعد ما يُعرف بـ«الحرب الاقتصادية» كأداة للسيطرة، في ظل تشريعات إسرائيلية جديدة أقرها الكنيست فجر 4 حزيران 2026، تهدف إلى تعديل نظام الدعم المالي للمستوطنات، بتكلفة تُقدّر بنحو 130 مليون شيكل، مع تطبيقات رجعية حتى نهاية عام 2027.
وتشمل هذه الإجراءات إعفاءات ضريبية تصل إلى 7%، وتوسيع تعريف «مناطق خط المواجهة» لتشمل عشرات المستوطنات شرق الجدار الفاصل، إضافة إلى تمويل مركبات مدرعة لنقل الطلاب في تلك المناطق وربط الدعم بمعايير اجتماعية واقتصادية.
ويرى باحثون أن هذه السياسات تندرج ضمن ما يُعرف بـ«الاستيطان الاقتصادي»، الهادف إلى تعزيز السيطرة على الأراضي الزراعية في مناطق «ج» التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، إلى جانب السيطرة على الموارد المائية وتوسيع الاستيطان، بما يعمّق الفصل الجغرافي والديمغرافي بين الفلسطينيين والمستوطنين.
وفي السياق الدولي، تشير معطيات إلى وجود تباين في الموقف الأمريكي، حيث تتعامل الإدارة الأمريكية مع الملف الفلسطيني من زاوية «الوقائع على الأرض»، مع استمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، رغم بعض الانتقادات المحدودة داخل الكونغرس.
وفي هذا الإطار، وجهت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، بينهم مارتن هاينريش وبن راي لوجان، رسالة إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، طالبت فيها بتوضيحات حول التنسيق العسكري في ما يتعلق بفرض «مناطق الإخلاء»، محذرة من انتهاكات محتملة للقانون الدولي، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في السياسات الأمريكية أو الدعم العسكري.
كما كشفت وثيقة مسربة عن مجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن التوجه العام يتقاطع في مضمونه مع الرؤية الإسرائيلية، مع ربط مستقبل غزة بملف نزع سلاح حركة حماس، وإعادة تشكيل الإدارة المدنية للقطاع، وسط تحذيرات من أن عدم تنفيذ هذه البنود قد يؤدي إلى تجدد الحرب.
في المقابل، دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى إغلاق مقر التنسيق المدني العسكري الأمريكي في كريات غات، واصفاً بعض الأطراف الدولية، بأنها «معادية لإسرائيل»، في مؤشر على تصاعد التوتر داخل منظومة التنسيق الإقليمي والدولي.
وفي الجانب الإنساني، أفادت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بأن عدد الشهداء في غزة بلغ 72,742، إضافة إلى أكثر من 172 ألف إصابة، فيما أكد مقرر الأمم المتحدة المعني بالسكن اللائق، بالاكريشنان راجاجوبال، أن إسرائيل تمنع إدخال آلاف الخيام إلى القطاع، رغم توفرها على الحدود، ما فاقم أزمة النزوح وأدى إلى وفيات بين الأطفال بسبب الظروف المناخية القاسية.
وفي الضفة الغربية، أفادت تقارير بوجود أكثر من ألف حاجز وبوابة حديدية، ما أدى إلى تقطيع أوصال المدن والقرى، إلى جانب استمرار مصادرة أموال المقاصة وتصاعد اعتداءات المستوطنين، في وقت حذّر فيه المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور من خطط استيطانية جديدة، من بينها مشروع «E1»، الذي من شأنه عزل شمال الضفة عن جنوبها وتقويض إمكانية حل الدولتين.
وتخلص هذه التقارير إلى أن نمط التعامل مع القضية الفلسطينية انتقل من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله، عبر أدوات عسكرية واقتصادية وقانونية، في ظل اتهامات باستخدام سياسات «الإفقار الممنهج» في الضفة و«الضغط الإنساني» في غزة، مقابل دعم سياسي دولي مستمر، ما يفاقم عزلة الحكومة الإسرائيلية ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.