من يقرأ بدلاً عنا؟

قراءة في »دفاتر المكتبة الكونية« لرائد العيد

تاريخ النشر : السبت 12:49 6-6-2026
No Image

منذ أفلاطون والجاحظ وكتب الردود وفهرست ابن النديم وصولاً إلى تجنبنا للكتاب الذي يقيّمه صديقنا بنجمة علىGoodreads !

في هذا التزايد المهول في الإنتاج المعرفي صارت مراجعة الكتب ضرورة تدلنا على ما نقرأ، فمراجعة الكتب في معناها النقي ليست خدمة للكتاب أو الكاتب إنما خدمة للقارئ الذي يحتاج إلى عين خبيرة تختصر له الطريق في زحمة العناوين.

فمن هم الذين يقرأون بدلاً عنا؟ وما هي المراجعات؟ وما الأدوات ضرورية التوافر عند كتّابها؟ وهل كل الكتب تستحق المراجعة؟

جاء «دفاتر المكتبة الكونية» لرائد العيد ليجيب عن هذه الأسئلة واقفاً في منطقة لم يطأها الكثيرون، واختار المؤلف لكتابه اسماً يدل على السعة والتراكم، مشيراً منذ العنوان على أنه لا يقدم تأملاً فحسب، وإنما تعريفاً لممارسة حضرت على المستوى التطبيقي بقوة لكن التنظير لها لا يزال مهملاً عربياً، حتى غاب تعريفها في المعاجم العربية خاصةً المتصلة بالنقد، وهذا الغياب هو الذي دفعه لتأليف هذا الكتاب الذي جاء بأكمله تعريفاً لمراجعات الكتب.

ورائد العيد قارئ نهم وكاتب، ألّف كتباً وكُتبت المراجعات عن كتبه، وهو مُراجعٌ كذلك، كتب وقرأ مئات المراجعات عن كتب غيره. لذلك هو ليس منظراً فحسب، فقد جاء موقعه المزدوج هذا مانحاً كتابه نبضاً حياً حين يتحدث عن العلاقة الحساسة بين المراجع والمؤلف، أو عن دوافع المراجعة، وأدواتها وخياراتها.

بدأت ثورة المراجعات في الوطن العربي مع ثورة المجلات في منتصف القرن التاسع عشر، وتوسع حضورها بشكل رهيب، فهي موجودة في كل مكان، تملأ الملاحق الثقافية وتكتظ بها منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أننا في زمن نبحث فيه عن ملخصٍ للملخص، لكنها غائبة عربياً كممارسة واعية بنفسها بوصفها فناً له أدواته وأسئلته وأخلاقياته، وهذه المفارقة أوجدت ثغرة حاول العيد سدّ شيءٍ منها وترك الباب مفتوحاً داعياً لمن يجيء بعده ويغوص في مسائله أكثر مما وصل إليه.

يطرح كتاب العيد في مشروعه الأعمق سؤالاً لم يُطرح بصراحة كثيراً: «من يحق له أن يكتب المراجعة؟ وما الأدوات التي يجب أن يمتلكها؟» ليس بالمعنى السلطوي الهرمي، وإنما بالمعنى المعرفي والأخلاقي أيضاً. صحيح أن ذاتيتها غيّبت توحيد معايير تقييمها وصعّبته، لكن ذلك لا يلغي قيمتها، فهي فن وعمل إبداعي يخضع للتقييم، فما الذي يفصل بين مراجعة تضيء على كتاب وأخرى تُعتمه؟

يجيب العيد في الفصل الرابع «المعالجات» عن سؤال كيف تقرأ قبل أن تكتب، وفي الفصل الخامس «المكونات» ماذا تكتب بعد أن تقرأ، والجسر بين هذين الفصلين يمكن صياغته تحت جملة: إن لم تتقن معالجة قراءتك فإن مكونات مراجعتك ستكون مشوهة، وكم رأينا في كثيرٍ من المراجعات العربية مراجعات تتحدث بلغة المكونات قبل أن تمر بمحطات المعالجة، في هذين الفصلين يضع العيد يده على جرح ملتهب وهو أن المشكله أحياناً ليست في غياب الكتابة إنما في غياب ما يستحق أن يُكتب.

فالمراجعة ليست مجرد رأي يدلى به بعد قراءة الكتاب أو تجميع بعض الآراء مع قراءة ما كُتب على الغلاف، هي موقف معرفي مركّب يستدعي إتقان أدوات البحث والقراءة والحس النقدي اليقظ، واللغة التي تحمل الفكرة دون أن تطغى عليها.

بستشهد العيد بقول الأديب السوري شفيق جبري: «ليس من السهل أن نعرَّف بكتاب من الكتب، فقد يلزمنا أن نُلخص هذا الكتاب تلخيص يجعل القارئ يحيط بمحتوياته لأول وهلة ثم يلزمنا أن نشير إلى محاسنة وألا نغفل عن مساوئه دون شيء من العنف في النقد والإسراف في التقريظ إلى غير هذه الصفات التي لا تتيسر لكل واحد منا». ويعقّب عليه بأن إدراك هذا الأمر يدفع الراغب في احتراف كتابة مراجعات الكتب إلى الجد والاجتهاد في تعلم هذه المهارات والممارسة الطويلة للتمكن منها.

والحقيقة أنه في عالم باتت فيه المراجعة مؤثرة في مصير الكتاب ومؤلفة يغدو هذا السؤال مسألة مسؤولية لا مجرد خيار أسلوبي.

في فصول الكتاب التسع، يبدأ الكاتب في الفصل الأول مبيناً بشكل مختصر السياق التاريخيّ لمراجعات الكتب مبيناً أن المراجعة ابنة سياقها الآنيّ لا ظلّ عصر مفقود، وينتقل في الفصل الثاني عارضاً أنطولوجيا المراجعة وقاموس المصطلحات الخاص بها مبيناً أن المراجعة أشمل من النقد؛ فقد تدخل في النقد عندما تبتغي ذلك وتستخدم أدواته ومناهجه، وقد تفترق عنه عندما لا تبتغي ذلك. ويبين ذلك بوضوح في فصليه السادس والثامن عندما يتحدث عن خيارات كتابة المراجعات وأمثلتها وأماكن حضورها وهيئاتها في حضورها المستقل والضمني، فتتشكل في صورٍ كثيرة يبينها لنا العيد ويحاول حصرها مؤكداً أننا نعيش في مرحلة يكون فيها إهمال دراسة المراجعة إغفال لمادة شاسعة من المعرفة.

ويحاول في الفصل الثالث حصر المبررات التي تدعونا لكتابة مراجعات الكتب ولماذا يجب على كل قارئ كتابة مراجعات الكتب وما القيمة المعرفية والسوقية لمراجعات الكتب متنقلاً بين المبررات الثقافية والذاتية والتجارية.

يختار العيد في كتابه بنيه تجمع بين التأصيل النظري والاستطراد الشخصي، وهو خيار ينطوي على مخاطرة يعيها المؤلف جيداً، حيث تبدو النبرة الشخصية في كتاب تنظيري استطراداً أو ترفاً، لكنها هنا تُخبر القارئ أن هذا الكتاب ليس دليلاً إرشادياً بقدر ما يفتح حواراً مع قارئه ليتفق أو يختلف، ومع ذلك يجد القارئ أحياناً أن بعض الفصول تستوقفه أكثر مما ينبغي في الأمثلة دون أن ترسو على حكم واضح، وكأن الكتاب أحسن طرح الأسئلة أكثر مما حسم الإجابات، ولربما هذا ما تستحقه المراجعة من كتابٍ يُكتب عنها، في أن يظل مفتوحاً كما هي!

وفي مشهدٍ ثقافي عربي يفتقر إلى تراكم نقدي منهجي حول فنون الكتابة على الكتابة، يأتي «دفاتر المكتبة الكونية» ليملأ فراغاً حقيقياً في المكتبة العربية، حيث جاء في محاولةٍ لإبقاء المراجعات على قيد الحياة، لا لتظل موجودة مادياً فهي راسخة وموجودة قدمها من قدم الكلمة، وإنما لتبوء مكانها المستحَق في حقول المعرفة وتاريخ العلم، حيث يقول العيد في خاتمة كتابه: «ولدت المراجعة مع حاجة البشر إلى اختصار المعرفة وتدويرها، هي ابنة الندرة وبنت الرغبة في إنقاذ الفكرة من الضياع لا حاشية تكميلية. من يتذكر ذلك الأصل يكتب مراجعات تحيي الكتاب لا تستهلكه وإن غابت عبارة (مراجعة الكتب) لا يعني غيابها كممارسة، وافتقاد العربية لتعريفٍ صريح لمصطلح مراجعة الكتب ليس ثغرة لغوية فحسب، بل دليل على فراغ تنظيري حاولت ردمه، ولا يزال بحاجة إلى مزيد من الكتب التنظيرية، إذ لا ممارسة راسخة بلا تسمية دقيقة، ولا نقد بلا قاموس».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }