وقفة مع »مدارات نقدية في التلقي والتأويل«

تاريخ النشر : السبت 12:45 6-6-2026
No Image

تنفتح هذه القراءة من عتبة نظرية يقيمها كتاب «مدارات نقدية في التلقي والتأويل» للدكتورة فداء عدنان أبو فردة على تحويل مركز النظر النقدي نحو الفعل القرائي الذي يوقظ إشارات القصيدة ويملأ فجواتها ويهبها حياة متجددة مع كل متلقّ، فتغدو القصيدة مجالاً تفاعلياً تتشكل دلالته عبر القارئ الضمني، وكسر أفق التوقع، والحركة المتبادلة بين الأثر والاستجابة، وفي هذا الأفق تبرز الظواهر الأسلوبية الخمس مفاتيحَ فاعلة في بناء التجربة الشعرية، لأن الرمز والانزياح والتكرار والدراما والمفارقة، تنتظم جميعها في حقل الإثارة الجمالية الذي يدفع القارئ إلى توسيع أفق التأويل وتعميق مشاركته في إنتاج الدلالة، ومن هنا تتأكد قيمة هذا المسار في قراءة نماذج من شعر حيدر محمود ومحمد سمحان ومحمد خضير وعلي الفاعوري وإيمان عبدالهادي، إذ تتقدم التجربة الشعرية الأردنية ضمن أفق نقدي ينظر إلى القصيدة على أنها بنية مفتوحة ويمنح التلقي منزلة تأسيسية في اكتمالها الفني، ويصل بين حيوية النص وخصوبة القراءة واتساع الدلالة في وجدان المتلقي وثقافته وخبرته الجمالية.

يبدأ الرمز من دلالته القديمة المرتبطة بالإشارة والإيماء والكلام الخفي، ثم يتسع في الاصطلاح الحديث حتى يصير طاقة إيحائية كثيفة تستدعي ما وراء المباشر، وتفتح النص على مستويات من الإحالة النفسية والثقافية والتاريخية، ولذلك يحتاج قارئه إلى يقظة ذهنية وثقافة تستجيب لنداء النص، فالرمز يشتغل في القصيدة عبر الإضمار والتلميح وتكثيف التجربة في صورة واحدة قابلة للاتساع، وحين يقرأُ الكتابَ قصيدةَ محمد خضير في «الناسك» يرى في العنوان نفسه عتبة رمزية تضغط مأساة الإنسان المعاصر بين رغبة التسامي وجراح الواقع، ثم تتوالى الرموز الجزئية كالظل والرمل والماء الزلال كي ترسم ذاتاً مترددة وهوية قلقة ورحلة موحشة في طلب صفاء يشف عن خديعة الحياة نفسها، كما يُقرأُ رمزُ أيوب عند حيدر محمود على أنه تحويل للشخصية الدينية إلى حامل جمعي لعذاب الفلسطيني وصبره وجرحه التاريخي، وهنا تتحول الشخصية التراثية إلى بنية دلالية معاصرة، ويغدو التلقي فعلاً لاستعادة الذاكرة المشتركة وربط الخاص بالعام والرمزي بالإنساني والقصيدة بالخبرة الوجدانية للقارئ.

ويتجه الانزياح إلى منطقة أخرى من جماليات الشعر، إذ يقوم على الميل عن المألوف اللغوي والخروج بالتعبير من الاستعمال السائد إلى تركيب يوقظ الحس ويستفز الذهن ويمنح اللغة بريقها الشعري، وقد عرضَ الكتابُ لهذا المصطلح من جذره اللغوي المرتبط بالزوال والميل والتنحي ثم وصله بمفهوم العدول عند القدماء قبل أن يبرزه في النقد الحديث باعتباره خرقاً منضبطاً لمعيارية التعبير ووسيلة في إنتاج لغة إيحائية تحتاج إلى قارئ يلتقط العلامات المؤولة وَيُرَجِّحُ فهماً على آخر، ومن هنا يتجلى الانزياح الدلالي في أمثلة حيدر محمود حين تتحول السحابة من رمز للغيث إلى كتلة من الأسى، ويصير الخوف قاذفاً إلى خوف آخر، فيتسع المشهد الداخلي حتى يحيط بالشاعر من الجهات كلها، وتتكاثف الصورة حول تجربة حصار نفسي ووجودي وتنبني جمالية التلقي هنا على عنصر المفاجأة وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين الألفاظ والأشياء، لأن القارئ يدخل النص وهو يحمل أفقاً متعارفاً عليه للسحابة والظلام والاتجاهات، ثم يفاجأ بانقلاب الدلالة فتتولد لذة التأويل من هذا الانحراف الجميل الذي يحرر اللغة من عادتها اليومية ويمنح القصيدة سحرها.

ويتصل التكرار بالإيقاع الداخلي اتصالاً عضوياً، لأنه يعيد بناء النبرة ويكثف الوجدان ويجعل الكلمة أو الحرف أو العبارة بؤرة ضغط نفسي وفني في النسيج الشعري. وقد أبرز الكتاب أن التكرار من أكثر العوامل أثراً في الإيقاع الداخلي، وأن قيمته تتجاوز الترديد الصوتي إلى الإلحاح الدلالي الذي يكشف الفكرة المهيمنة على الشاعر، ويجعل النص أكثر قدرة على ترك أثره في المتلقي، فالتكرارُ وفق هذا المنظور يركِّزُ الدلالة ويمنحها موسيقا منسجمة مع حرارة الانفعال، فهو يبدأ من الحرف ويصل إلى العبارة والمقطع، وبذلك يصير التلقي هنا إصغاءً موازياً للرؤية، لأن القارئ يسمع القصيدة وهو يقرؤها ويتابع كيف تتحول العودةُ الصوتيةُ إلى عودةٍ وجدانيةٍ، وكيف تتجاورُ الموسيقا مع الرؤيا في إنتاج أثر واحد، فيغدو التكرار في الشعر الأردني المعاصر باباً إلى كشفِ النبرة الخاصة للشاعر، وإلى إدراكِ الصلة بين البِنية الإيقاعية والحالة الشعورية، وحين ينجح الشاعر في جعل التكرار جزءاً من النسيج العام تتولد في القراءة طاقة من التوقع والإشباع والتوتر، وتتحقق لذة التلقي عبر هذا التناغم بين الجرس والوجدان.

وتنقلنا الدراما إلى طور آخر من التشكيل، حيث تدخل القصيدة في مجال الحركة والصراع وتعدد الأصوات والمشهدية، فتغدو اللغةُ فضاءً للأحداث والحوارات والتوترات، وقد عرض الكتاب مفهوم الدراما من أصلها اليوناني المرتبط بالفعل والحركة، وتابع حضورها في القصيدة الحديثة عبر السرد والحوار والصراع والصورة المشهدية، مستنداً إلى الفكرة التي ترى في الشعر ثلاث طبقات صوتية، صوت الشاعر مع نفسه وصوته مع الجمهور ثم صوتاً ثالثاً يخلق شخصية درامية تخاطب أخرى، وهذه النقلة تمنح القصيدة حيوية أكثر رحابة، حيث القارئ يجد نفسه إزاء مشهد يتحرك ويتوتر، وشخصياتٍ أو أقنعة أو أصوات تتجاور وتتقاطع، ويغدو التلقي أقرب إلى المعايشة منه إلى الاستماع البعيد، وقد قدم الكتاب مثالاً كاشفاً في قراءة «أميرة الخوارج» عند إيمان عبدالهادي، حيث تتكاثف الأفعال وتتسارع الانتقالات بين الفضاءات ويتصاعد الصراع الداخلي والخارجي معاً، فتتشكل سلطة درامية من الغموض والحركة والمطاردة، وتتحول القصيدة إلى مشهد متوتر يلاحق القارئ بإيقاعه ويشده إلى نقطة الذروة، وهنا تكمن جمالية التلقي في أن القصيدة تفارق الغنائية الصافية إلى تمثيل شعري نابض، يجعل القارئ شريكاً في متابعة الحدث وفي استشعار توتره.

وتبلغ المفارقة ذروة الحذق الأسلوبي حين تجعل النص يقول شيئاً ويقود إلى دلالة تتجاوز ظاهره، فهي لعبة لغوية دقيقة بين الشاعر والقارئ قوامها استثارة الذهن وتعليق الدلالة الحرفية وفتح الطريق إلى طبقة أعمق من التأويل، وقد صاغ الكتاب هذا المصطلح من جذوره اللغوية وامتداداته النقدية القديمة في التهكم والتورية وتجاهل العارف، قبل أن يعرضه في صورته الحديثة بوصفه أداة تبني الغرابة وتخالف أفق التوقع وتمنح القارئ صلاحيات أوسع في الاكتشاف، ومن هنا تتجلى المفارقة في أمثلة حيدر محمود ومحمد سمحان وإيمان عبدالهادي، حيث يتحول الفناء إلى ولادة والنّار إلى حماية والعبودية إلى اكتمال في الحب، فتنشأ مسافة متوترة بين ظاهر العبارة وخفيها، وتولد لذة القراءة من عبور هذه المسافة، لأن القارئ يستقبل العبارة أولاً على سطحها ثم يعيد تنظيمها في ضوء القرائن والرموز والجو العام فيدرك أن المفارقة وسيلة في تعميق الرؤية، وفي كشف ازدواج العالم، وشحذ الوعي بالجمال والتناقض معاً، وهكذا تختم الظواهر الخمس رحلتها عند نقطة واحدة: قصيدة أردنية حديثة تحسن الإفادة من موارد اللغة، وتستدرج قارئها إلى مشاركة خلاقة، وتجعل التلقي نفسه فناً موازياً لفن الكتابة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }