الحياة لعبة مكونة من أرقام وحروف، لعبة بإيقاعات مختلفة يصنعها الناس أو تصنعهم، فالحروف تنطوي على أسرار، والأرقام بحسب فيثاغوس تقوم على فلسفة أن العدد هو «جوهر كل الأشياء وأصلها». والحياة حكايات ومشاهد نراها أمامنا أو تداهمنا ونرتطم بها نسردها بطريقة درامية وتراجيدية وأحيانا ساخرة في المكان والزمان باجتماعهما معًا في النص.
وتحاول الكاتبة ريما ملحم، الناشطة الاجتماعية والثقافية في كتابها الذي منحته اسم «كاندي كراش.. وخواطر أخرى»، التقاط تلك المشاهد بالكتابة أو التصوير الفوتوغرافي أو اللقطة السينمائية ضمن يوميات ومشاهد من الحياة منحتها اسم «كاندي كراش»، وعنوان فرعي معطوف على العنوان الرئيسي، هو «وخواطر أخرى».
وكاندي كراش، لعبة مكونة من مجموعة مربعات ذات ألوان مختلفة، والمطلوب من اللاعب تجميع المربعات المتشابهة في لون واحد بحيث لا تقل المجموعة عن ثلاتة مربعات متشابهة في اللون ومتناسقة في الترتيب لإخراجها من الخط الأفقي أو العمودي.
وفي كتابها الصادر عن دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع تطوف الكاتبة تضاريس جغرافية تتسع على عدد من الدول العربية، وتقع أزمنة النصوصة بين عامي 2011 و2025.
تختار الكاتبة في المشاهد التي ترصدها بلغة شعرية، ما يمكن أن يسمى «مفتاح الحكاية» لكل قصة، والتي تختزل الرسالة التي يحملها النص، ففي قرية المشرفة تصور المشهد سينمائيا بعبارات قصيرة، مازجة بين إطلالة الشمس وحلم الطفولة والرسم والذاكرة لتعريف المكان المسكون بالحب والأمل والعمل.
• شعرية النص
في كل مشهد من المشاهد التي يحملها النص ثمة رسالة تترمز في النص بانتقالات سينمائية، ثم تقاربها الكاتبة بلحظات وجودية للإصرار على الحياة. تقول في مشهد «مخيم سوف": طفي رحلة الشمال برفقة زميل يتفقد الأزهار، لم يتسع الوقت لسرد قصة، ولا اتسع لملاحقة فصل الخريف.. هو العمر ذاهب بنا إلى أبواب نعرفها.. مشهدان متضادان لحياتين مختلفتين يتقاسمان الحب». فالنص هنا فضلا على شعريته، فهو يمثل موقفاً فلسفياً من الوجود لا يخلو من الزهد التي تقاربها بين الرحلة الواقعية في المكان ورحلة الحياة.
وهو الإيقاع المحمول في غالبية نصوص الكتاب، وفي جل المشاهد التي تصورها لحياة الناس البسطاء، ومنها ما نقرأ في «عين الحلوة»، المخيم الفلسطيني الذي يقبع في جنوب لبنان بصيدا، وهو المخيم الذي عاش فيه رسام الكاريكاتير ناجي العلي: «هناك ليس من ثقة بالوقت، تركض لتصل إلى ما تريد، لكن ربما لا تكتمل الحكاية عندما يدهم الرصاص ودوي الانفجارات أحلام قاطني المكان»، على ما يحمل اسم المكان من تضاد من واقعه المحفوف بالخطر، بين عين الجميلة، وعين الخطر.
وفي «عربة سلمى» ثمة رسائل متقاطعة ومتبادلة بين بيت لحم التي تحيل إلى حكاية مولد المسيح (عليه السلام)، والطفيلة التي كان زيتها يضيء مآذن القدس، لترتسم اللوحة بخيط الضوء ومداد النور لتدوين حكاية الأرض والمكان المسكون بالحلم والألم والأمل.
• الغياب والحضور
في نص «في وداعك»، تقارب الكاتبة بين الغياب والحضور، وحضور الغياب للإنسان الذي كما يقال «ترك فيك بعض أقواله وأحلامه وتاريخه وحكاياته، وترك فيك بصمته البيولوجية وانتماءه وحنينه للبلاد، ثم غاب وأنت تنتظره فيما كان يحلم أن يكون اللقاء في فضاء العشق، هناك، في المكان الذي يمتد بين حلحول/ الخليل، والقدس». ولم تكن الكاتبة وحدها في انتظار والدها الراحل، بل تراب الأرض وسنابل ستنمو حوله، لينام بسلام، لتكون قصة عودة المنفي هي أول الكلام وخاتمته وأول اللقاء وخاتمة الوداع.
تدون الكاتبة شذرات، وترسم صورا بالألوان، وتحكي بصوت خافت أحيانا، لتروي حكاية «الأزبكية»، التي طاف صاحبها أرجاء البلاد لتصل الكلمات إلى من يعرف قيمتها، في الطريق إلى الأزبكية تلقي ببائع الورد، وتختلط الصور كفيلم سينمائي، حيث تستذكر النسوة العاملات لترصد خلال ذلك خريطة المكان باختلاف تفاصيل اليوم الذي نركض فيه لتحقيق أشياء بسيطة، أشياء بسيطة لكنها تعني استمرار الحياة.
وتبقى العاصمة اللبنانية بيروت النص والحلم والعشق والتمرد، وتستذكر «الأم» في نص «حلاوة السميد» مع نسائم الليل، في زاوية من العالم تقع على كتف الخليج، وتفتقد وهي تعد طبق الحلاوة بالسميد، أنها لا تقدم إلا من يدي الأم. وفي مشهد دمشقي بعنوان «إنذار وحصار»، لا تتذكر الياسمين ولا الحارات الدمشقية القديمة، ولا باب توما، وحتى البحر لم يعد لونه أزرق، لأن الإنسان يختنق بالحصار الذي ينسيه ما كانت تقع عليه عينه من جمال.. وتعبر الكاتبة في نص آخر عن حبها وعشقها للغة العربية التي تؤنسنها، لأنها تبتسم للضيف، وفي الوقت نفسخ تنظر للحرية وتقف ضد الذل والانكسار. هي اللغة التي تشتق حروفها من ضلوع الأرض وتشبه صوت المكان ولونه.
هي نصوص تفيض بها الكاتبة باقتصاد في اللغة، التي يصبح معها الاختزال بلاغة تتجاوز السرد الممل والثرثرة اللغوية، وفي جل النصوص لا يغيب الوطن عن بال الكاتبة ويكون الغياب أكثر حضورا بما ترك أصحابها من علامات على الطريق وشواهد للدروب، وربما يكون تدوين المشاهد ذريعة لاستذكار الوطن، وهنا يتسع النص جغرافياً بأكثر مما يرى إلى ما لا يرى باستحضاره من المتخيل والذاكرة والوجدان الذي احتشد بالكثير من الحكايات والصور والأفكار التي لا تموت، وتحمل في طياتها عبق الماضي ودروس الحياة.
• الكتابة بصوت الأم وحسها
تكتب ريما ملحم بحس المرأة أو الأم التي تضفي على النص مشاعرها الإنسانية، وتوقها إلى الحرية كما في نص «سانتا»، و"يد المايسترو» الذي ينشد للوطن، الذي تكون معه «مدننا» سيرة للعشق والأمل والحياة، وتتحول الشواطئ والموانئ إلى ضفاف للذكريات التي ينسجها جمال المدينة بسكونها، وليس البحر وحده بل القرى الجنوبية التي ترشم الفرح وتكتب نشيد للأرض.
في النصوص التي تفيد من جماليات الصورة، يتخللها هسيس الموسيقى وعبق اللون ورائحة الأماكن، وظلال سير الفصول الأربعة في حياة المبدع «فيفالدي» ومسرح «البولشوي»، ولا تنسى وهي تدون تفاصيل الأشياء والأحداث الحظر الذي حبسنا أثناء كورونا، وفي كل النصوص فهي تؤرخ لهذه اللحظات التي تصورها في ظل التحولات وثورة الاتصال التي غيبت رائحة الورق الذي لم يكن وسيلة للكتابة وإنما هو ذاكرة أجيال.
في نصوص كاندي كراش لعب مع الحياة، ولعب ضد مكر الأيام، واستراحة للتأمل، والحلم، وفرصة ومساحة لتفحص لحظات الوجود، واختبار الزمن الذي يبدأ لينتهي ويقع بين حدي المثول والأفول، لتقول في نص «بلاد": «هي الدنيا بكل ما نعرفها.. هي الحياة تأخذنا من واد إلى نهر، هي أول النهار وآخر الليل...، هي الأرض.. هي العشق، والعمر مهما مضى.. تبقى البلاد حضناٍ يضمنا ويحمينا».
وعن ظروف تأليف الكتاب، قالت ريما ملحم: «إن الكتابة تمت على مدى سنين طويلة ضمن أوقات مختلفة وآلاف الزيارات الميدانية والسفر المتواصل، والأحداث الإنسانية التي لامستها وعشتها في زمن اشتدّت به التحديات والهجرات والتناقضات والظروف المعيشية الصعبة لأهالٍ وعائلات من مختلف الجنسيات العربية».
وأشارت الكاتبة إلى أنها وأمام هذه الأوضاع الصعبه وملامسة الواقع عن قرب كانت الكتابة هي الملاذ الذي وفر لها مساحة للتنفس وسط شعور بالعجز والظلم والقهر الذي يقع على الإنسان في زمن لا نعرفه ولم نفكر يوما بأننا سنعرفه.
وعدّت الكتاب بمثابة حالة من المشاعر والقيم التي توجت الحياة ومساراتها، ومنها صور التعلق بالناس والأماكن والبلدان، وعندما تتضاد الصورة وتختلف يكون الأداء وتكون الكلمات، وقالت إن الكتاب يمثل رحلة في النفس الإنسانية والمكان، ولذلك سيستمر في أجزاء بحسب الرحلة ومآلاتها وحدودها وأزمانها وناسها.