تكشف كتابات ابن حزم الأندلسيّ (ت. 456ه/1064م) عن انشغال عميق بالنّفس البشريّة وعالمها المعقّد الّذي تتداخل فيه المعرفة والرّغبة والأخلاق والانفعال، وتتوزّع تأمّلاته في النّفس بين رصد دوافع السّلوك الإنسانيّ، وتحليل العواطف والمشاعر، واستقصاء حدود معرفة الإنسان بذاته وعلاقته بخالقه، لتحتلّ موقعًا متقدّمًا في مشروعه الفكريّ؛ بما تتيحه من استجلاء لطبيعة الوعي الإنسانيّ، وما يحيط به من إشكالات، ومنها رسالته «في معرفة النّفس بغيرها وجهلها بذاتها» (1).
تدور هذه الرّسالة حول واحدة من أعمق المفارقات الّتي واجهت الفكر الإنسانيّ منذ بدايات التّأمل الفلسفيّ؛ إذ كيف يستطيع الإنسان أن يعرف العالم، وأن يخترق البعيد والغامض، ثمّ يقف عاجزًا أمام معرفة ذاته؟ وقيمة هذه الرّسالة تكمن في الطّريقة الّتي بُنيت بها فضلًا عن فكرتها العميقة، فابن حزم لا يقدّم أطروحته الفلسفيّة في صورة تقرير عقليّ جامد، إنّما يحوّلها -بلغته الأدبيّة الرّفيعة- إلى مشهد حواريّ داخليّ، تتشقّق فيه الذّات على نفسها، حتّى يصبح الوعي ساحة مواجهة بين النّفس ونفسها.
تبدأ الرّسالة من يقين يبدو راسخًا، فالنّفس هي المدبّرة للجسد والمحرّكة له والعاقلة والحسّاسة والمميِّزة، أمّا الجسد فموات لا يملك من ذاته حركة ولا إدراكًا. لكنّ هذا اليقين الأوّل ينزاح من تثبيت مركزيّة النّفس إلى محاولة زعزعتها، فابن حزم لا يترك النّفس مستقرّة في موقع العارف، إنّما يدفعها إلى استعراض اتّساع معرفتها استعراضًا تصاعديًّا مقصودًا؛ تبدأ بمعرفة الجسد الّذي تدبّره، ثمّ تتجاوزه إلى العناصر الطبيعيّة، قبل أن تعرّج على الأجرام والأفلاك، لتتفكّر بعد ذلك في أخبار الأمم والقرون، حتّى تبلغ التّأمّل في الواحد الأوّل المبدع للعالم. وكأنّ النّفس هنا تعيد تمثيل المسار الفلسفيّ الكلاسيكيّ كلّه؛ من المحسوس إلى المجرّد، ومن الطّبيعة إلى الميتافيزيقا.
ويذكّر هذا البناء بالحركة الصّاعدة في الفلسفة اليونانيّة، ولا سيّما عند أفلاطون (427-347 ق.م) في محاوراته الّتي تجعل العقل يرتقي من العالم الحسّيّ إلى عالم الحقيقة العليا، وتتجلّى هذه الرّؤية عنده بوضوح في كتابه «الجمهوريّة"؛ في أسطورة الكهف الّتي يصوّر فيها الإنسان سجينًا للظّلال والأوهام قبل أن يخرج إلى نور الحقيقة، وفي تشبيه الخطّ المقسوم الّذي يبيّن مراتب المعرفة من الحسّ والظّنّ إلى العقل والتّأمل الفلسفيّ الخالص، وصولًا إلى مثال الخير الّذي يمثّل الذّروة الميتافيزيقيّة للوجود والمعرفة (2). وتتعمّق الفكرة في «محاورة فيدون» حين يجعل الجسد عائقًا أمام المعرفة اليقينيّة، بينما تنكشف الحقائق للنّفس كلّما تحرّرت من سلطان الحواسّ (3). أمّا محاورة المأدبة أو المائدة الشّهيرة بـ «سيمبوزيوم» فتظهر فيه حركة الارتقاء عبر سلّم الحبّ؛ إذ يبدأ الإنسان بتأمّل الجمال الحسّيّ، ثمّ يرتفع تدريجيًّا إلى إدراك الجمال المطلق الّذي يمثّل حقيقة عقليّة خالدة (4).
وإذا كان أفلاطون قد جعل المعرفة حركة ارتقاء من العالم الحسيّ إلى عالم المثل والحقيقة العليا، فإنّ أرسطو (384-322 ق.م) وجّه النّظر إلى العقل نفسه وقدرته على إدراك صور الموجودات وعللها الكامنة؛ فالمعرفة عنده تنفذ من ظواهر الأشياء إلى ماهيّاتها وقوانينها الدّاخليّة عبر فعل التّعقّل (5). وتلتقي هذه الرّؤية مع رسالة ابن حزم في أنّ النّفس تستطيع الإحاطة بالعالم الخارجيّ وتمييز صفات الموجودات وأجناسها وعللها، لكنّها تعجز عن النّفاذ الكامل إلى حقيقتها الخاصّة، لكنّ ابن حزم يدفع المسألة إلى أفق أكثر قلقًا وتأمّلًا؛ إذ تتحوّل المعرفة إلى مفارقة فلسفيّة تتمثّل في أنّ النّفس الّتي تكشف العالم وتعقله تبقى عاجزة عن معرفة ذاتها معرفة تامّة، ومن ثمّ فإنّ السّؤال عنده ينتقل من كيفيّة إدراك الموجودات إلى حدود الوعي الإنسانيّ نفسه، والعجز الكامن في الذّات العارفة عن الإحاطة بحقيقتها النّهائيّة.
أمّا في إطار الفكر الفلسفيّ الإسلاميّ فتلتقي رسالة ابن حزم هذه مع فلسفة النّفس والعقل عند ابن سينا (ت427ه/1037م)، ولا سيّما في كتابه «الشّفاء»، حيث تتحوّل النّفس إلى جوهر عاقل يمتلك القدرة على الإدراك والتّجريد وتجاوز المعطى الحسّيّ نحو المعقولات الكلّيّة. فابن سينا يجعل النّفس مركز الوعي الّذي تنتظم فيه قوى الإدراك، ويرى أنّ العقل يرتقي من المحسوسات الجزئيّة إلى إدراك الصّور المجرّدة حتّى يبلغ مرتبة الاتّصال بالعقل الفعّال؛ أي إنّ المعرفة عنده حركة صعود متدرّجة تقترب فيها النّفس من الاكتمال كلّما تحرّرت من ثقل المادّة والحواسّ (6).
ومن هنا تبدو رسالة ابن حزم كأنّها تتحرّك أوّل الأمر داخل هذا الأفق الفلسفيّ نفسه، فالنّفس عنده تعبر العالم السّفليّ والعلويّ، وتنفذ إلى الموجودات، وتدرك الأنوار والظّلم، وتسلك مسالك المعرفة حتّى تصل إلى الحقّ الأوّل، لكنّه يفاجئ القارئ في اللّحظة الّتي تبدو فيها النّفس قريبة من تمام اليقين؛ إذ ينقلب على هذا الصّعود كلّه بسؤال يهزّ مركز المعرفة ذاته: «هل عرفتِ مائيّتك؟ وهل دريتِ كيفيّتكِ؟ وهل وقفتِ على أيّ شيء أنتِ، وما جوهركِ؟ وهل أشرفتِ على حملكِ لصفاتِك، كيف حملتِها؟» (7). هذه المتوالية من الأسئلة تنبئ عن أنّ العقل ليس قوّة مكتملة قادرة على الإحاطة النّهائيّة كما يرى ابن سينا؛ إذ يغدو الوعي نفسه موضع شكّ وتساؤل؛ فالنّفس الّتي استطاعت أن تدرك العالم تعجز عن إدراك حقيقتها الخاصّة، وكأنّ ابن حزم يحوّل المعرفة من مشروع صعود نحو الاكتمال إلى تجربةِ كشفٍ لحدود الإنسان وعجزه الوجوديّ أمام سرّ الذّات.
وهنا تحدث القطيعة الكبرى في النّصّ، فالمعرفة الّتي كانت تتّسع باستمرار تنكسر فجأة أمام سؤال الذّات، ولذلك يؤخّر ابن حزم تأكيد جهل النّفس بذاتها حتّى يبلغ مداه الصّادم؛ لأنّ النّفس كلّما ازدادت معرفةً بالعالم، بدا جهلها بنفسها أكثر مأساويّة. وتظهر عبقريّة النّصّ في أنّ هذا الانهيار لا يُعرض في صيغة برهان منطقيّ؛ إذ إنّ النّفس تنقسم إلى ذات تَستجوِب وذات تُستجوَب، وإلى صوت يقود وصوت يعترف، وإلى وعي يُراقِب ووعي يُراقَب، فيفقد الإنسان كينونته المنسجمة، ويصبح ذاتًا تحمل داخلها مسافة خفيّة تفصلها عن ذاتها مهما حاولت الاقتراب منها.
كما يلتقي ابن حزم في هذه الرّسالة مع المحاسبيّ (ت. 243ه/857م) في كتابه «الرّعاية لحقوق الله"؛ إذ يحوّل النّفس إلى موضوع محاسبة واستجواب (8)، لكنّه يتجاوز البعد الأخلاقيّ الّذي انشغل به المحاسبيّ إلى سؤال معرفيّ خالص. وفي السّياق نفسه تتقاطع فلسفته هذه مع الغزاليّ في «المنقذ من الضّلال"؛ إذ يتحول اليقين إلى أزمة، والمعرفة إلى امتحان للوعي بحدوده، وإن كان ثمّة فرق دقيق بينهما، فالغزاليّ يَعبر الشّكّ ليصل إلى طمأنينة روحيّة بـ «نور قذفه الله تعالى في الصّدر، وذلك النّور مفتاح أكثر المعارف» (9)، بينما يترك ابن حزم النّفس واقفة أمام عجزها، ولا تملك إلّا أن تعترف «بأنّ لها مدبّرًا علّمها ما علمت من البعيدات فعَلِمَتْه، وجهلت ما لم يُطْلِعْها طِلعةً من القريبات فجهلته» (10).
ويمنح البناء الحواريّ لهذه الرّسالة -على الطّريقة الأفلاطونيّة- قوّة استثنائيّة، فالصّوت السّائل لا يسعى إلى تبادل المعرفة، بقدر ما يهدف إلى تضييق مساحة الهروب أمام النّفس الأخرى. ولذلك تتكرّر الإجابات القصيرة بين «بلى» و«لا». وهذه الـ «لا» ليست جوابًا عابرًا؛ إنّها انهيار تدريجيّ لصورة الإنسان عن نفسه. فكلّ «لا» تمحو يقينًا سابقًا، وتعيد الإنسان إلى هشاشته الأصليّة.
وعلى ضوء ما سبق يمكن القول إنّ المعنى ينتج من توزيع السّلطة داخل اللّغة نفسها، وليس من الأفكار وحدها، فالسّؤال يمتلك قوّة الكشف، بينما تتحوّل الإجابة إلى اعتراف بالعجز، وكأنّ النّفس، كلّما ظنّت أنّها اقتربت من ذاتها، اكتشفت أنّ بينها وبين حقيقتها حجابًا جديدًا. ومن هنا تبلغ الرّسالة ذروتها الفلسفيّة؛ إذ يتحوّل جهل النّفس بذاتها إلى برهان «على عجز المخلوق ومهانته وضعفه وقلّته» (11)، فلو كانت النّفس تعلم بقوّتها الذّاتيّة، لكانت معرفة نفسها أولى من معرفة العالم البعيد، لكنّها عرفت ما أُتيح لها أن تعرفه، وجهلت ما لم يُكشف لها عنه. ولذلك ينتهي النّصّ إلى قلب التّصوّر الإنسانيّ عن المعرفة؛ إذ إنّها دليل افتقار وليست دليل سيطرة، فكلّما اتّسع إدراك الإنسان للعالم، ازداد وعيه بعجزه عن امتلاك حقيقته الخاصّة.
وتتقاطع رؤية ابن حزم لقصور النّفس عن الإحاطة بذاتها- بصورة لافتة- مع التّنظيرات الفلسفيّة والنّفسيّة المعاصرة الّتي تشكّك في شفافيّة وعي الإنسان ومعرفته المطلقة بنفسه. فما ذهب إليه من عجز النّفس عن إدراك نفسها مباشرة لحاجتها إلى انعكاس داخليّ يشبه ما سيظهر- بعد قرون- عند هيغل (1770-1831) في «فنومينولوجيا الرّوح» (12)؛ إذ إنّه يتتبّع رحلة الوعي الإنسانيّ منذ أبسط أشكال الإدراك الحسّيّ حتّى يصل إلى الوعي الفلسفيّ المطلق؛ إنّه أشبه بسيرة تطوّر العقل البشريّ وهو يحاول معرفة العالم ومعرفة نفسه، لكنّ هيغل يجعل هذه العلاقة تاريخيّة واجتماعيّة بين ذوات متعدّدة.
كما نقرأ في كتاب سورن كيرككورد (1813-1855) «المرض حتّى الموت» (13) أنّ انقسام الذّات وعجزها عن التّوافق الكامل مع نفسها مصدر لأزمتها الوجوديّة؛ إذ يرى أنّ الإنسان قد يحمل ذاته معه طوال حياته، ومع ذلك يظلّ عاجزًا عن مصادقتها أو السّكن إليها.
ويذهب جاك لاكان (1901-1981)، في تنظيره الشّهير حول «مرحلة المرآة» المضمّنة في مؤلَّفه «كتابات»، إلى أنّ الذّات لا تدرك نفسها إدراكًا مباشرًا، ولكنّها تتعرّفها عبر صورة تنعكس خارجها، فتظلّ علاقتها بنفسها مشوبة بشيء من الالتباس وعدم التّطابق الكامل (14). ومع اختلاف هذه التّصوّرات، فإنها تلتقي جميعًا عند الإقرار بأنّ الذّات ليست موضوعًا سهلًا للمعرفة، وأنّ الإنسان قد يظلّ غريبًا عن بعض خفايا نفسه مهما أوتي من وعي وتأمّل.
أمّا ابن حزم فيختلف عن هذه المسارات الفلسفية والنّفسيّة الحديثة في مسألة جوهريّة، فالانقسام الدّاخليّ عنده لا ينتهي إلى تمجيد القلق الوجوديّ أو الاحتفاء بتشظّي الذّات، إنّما يقود إلى إثبات محدوديّة الإنسان وافتقاره إلى قوّة أعلى منه، ولذلك تأتي الخاتمة حاسمة: «النّفس لا تفعل ولا تقعد إلا بقوّة وإرادة من قِبَل غيرها لا تتجاوزها ولا تتعدّاها»، وليست هذه القوّة وهذه الإرادة سوى قوّة الله- سبحانه وتعالى- وإرادته.
وختامًا فإنّ هذه الرّسالة تبدو نصًّا فريدًا؛ يقف عند تقاطع المحاورة الفلسفيّة، والجدل الكلاميّ، والتّأمّل الصّوفيّ، ونظريّة الوعي. فهي تبدأ من يقين الإنسان بعقله، ثمّ تجعله يصعد إلى أقصى مدى من المعرفة، قبل أن تعيده إلى أكثر الأسئلة بساطة واستحالة في آن معًا:
ما هذه النّفس الّتي تعرف العالم كلّه، ثمّ تعجز عن معرفة نفسها؟
• المصادر والمراجع
1. رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عبّاس، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، ط2، 2007، مج1، ص443-446.
2. ترجمة: فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطّباعة والنّشر، القاهرة، 2004، ص 368- 390، ص403-411.
3. المحاورات الكاملة لأفلاطون، ترجمة: شوقي تمراز، الأهليّة للنّشر والتّوزيع، بيروت، 1994، مج3، ص345-456.
4. المرجع السّابق، مج4، ص109-193.
5. الميتافيزيقا، ترجمة: محيي الدّين مطاوع، دار صفصافة للنّشر والتّوزيع والدّراسات، مصر، 2022، ص28-56.
6. النّفس من كتاب الشّفاء، تحقيق: آية الله حسن زادة، مركز النّشر التّابع لمكتب الإعلام الإسلاميّ، إيران، ط1، 1417ه/1996م، ص321-340.
7. رسائل ابن حزم، مج1، ص445.
8. تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط4، د.ت.، ص45-55.
9. تحقيق: محمّد أبو ليلة ونورشيف رفعت، جمعيّة البحث في القيم والفلسفة، واشنطن، 1995، ص169.
10. رسائل ابن حزم، ص446.
11. المصدر نفسه.
12. ترجمة: ناجي الموْنلّجي، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت، ط1، 2006.
13. ترجمة: قحطان جاسم، الرّافدين، بيروت- بغداد، ط1، 2021.
14. انظر: أربعة دروس في التّحليل النّفسيّ، مصطفى صفوان، ترجمة: نيفين مصطفى، المركز القوميّ للتّرجمة، القاهرة، ط1، 2010، الدّرس الأوّل، ص11-29.