في ورقة علمية درست العلاقة بين سلوكيات الأزواج ومدى تأثيرها على صحة القلب، تبين أن الأزواج الأكثر دعما لبعضهم بعضا كانت لديهم قلوب أكثر صحة، بينما الأزواج الذين كانوا أكثر عدائية تجاه بعضهم بعضا كان لديهم تصلب أكثر في الشرايين، وخلصت الدراسة إلى استنتاج أن الزواج القاسي، يؤدي إلى قلب قاسٍ.
يطرح ديفيد هاميلتون في كتابه «كيف يستطيع تفكيرك أن يشفي جسدك» الرابط بين قوة وطبيعة المشاعر التي تولدها الأفكار الباطنة في العقل والمعتقدات المتجذرة على صحة الجسد، ويستند في طرحه إلى الدراسات والتجارب الواقعية والقصص الحقيقية بألسنة أصحابها. ومن الدراسات الملفتة التي تناولها في كتابة واحدة عن تجربة أجريت على متطوعين فوق سن السبعين، طلب منهم الإقامة مدة عشرة أيام في معتزل تم تصميم بيئته بما يتوافق مع خمسينيات القرن الماضي، من منازل وموسيقى وملابس وأنشطة، وطلب منهم أن يتفاعلوا مع بعضهم بعضا كما لو كانوا يعيشون بتلك الفترة وأن يتناقشوا بمواضيع تخص تلك الحقبة، وبعد انتهاء المدة تم مقارنة قراءات المشاركين الفيزيولوجية وطول القامة والإدراك الفكري وقوة النظر ما قبل التجربة وما بعد بعدها، ليجدوا أن المشاركين أصبحوا أصغر فيزيولوجيا بعدة سنوات، وأطول قامة، وتطورت وظائفهم العقلية وتحسنت قدرتهم البصرية، فقط من خلال التصرف وكأنهم أصغر عمرا.
يركز الكاتب في طرحه على مدى تأثير قوة الأفكار والمعتقدات المتصلبة داخل عقولنا، سواء في الوعي أو اللاوعي، على قدراتنا الذهنية والصحة الجسدية، ومن أبرز الأدلة العملية التي طرحها الكاتب على قوة تأثير التفكير وقوة الاعتقاد على التشافي الذاتي حتى في الأمراض المستعصية والخطيرة، هي تجارب الدواء الوهمي في شركات تصنيع الدواء، فمن البروتوكولات المعتمدة بالأخص في تجارب مضادات الاكتئاب، عمل تجارب سريرية لقياس مدى فعالية الدواء، حيث يتم اختبار تأثير الدواء على مجموعة ومقارنتها بمجموعه أخرى أعطيت دواء وهميا بدل من الدواء الحقيقي دون علمهم، وكم تقاربت النتائج بين المجموعتين، وكم من تجربة وقصة ناجحة لحبة دواء وهمية عشناها مع الأطفال أو كبار السن وحتى نحن، وكم مرة تلاعب عقلنا بإحساس الألم لمجرد ايماننا أن هذا دواء مجرب أو وصفة شعبية مضمونة، وهذا يدل على أن المعنى الذي يعطيه المرضى للعلاج هو ما يشفيهم، أي أن قوة الشفاء تكمن في كلّ منا.
وفي دراسة ممتعة قامت على قياس أثر التفكير الإيجابي على النشاط البدني، طلب من مجموعة من المتطوعين اختيار كلمات من قائمتين واحدة شملت كلمات إيجابية وحيوية والأخرى كلمات تدل على الكبر، والتعب، والوحدة، والألوان المعتمة. وتبين أن الأشخاص الذين استخدموا كلمات إيجابية بصياغة جملهم كانوا أسرع بحركتهم وأنشط في حياتهم.
وفي دراسة اعتمدت استبانة «الرضا عن الحياة» وجد الباحثون أن الذين كانوا راضين أصيبوا بنصف مخاطر الموت على مدى السنوات العشر التالية من الذين كانوا أقل رضى. ومن تجاربي الشخصية أستطيع أن أرى الرابط الخفي بين الإيجابية والقدرات الذهنية، ففي برامج التدريب التي أقدمها، أستخدم عادة لعبة الذاكرة لكسر الجمود، وقد بلغت مرحلة من الخبرة بما يتيح لي تمييز المتدربين الذين سيتمكنون من النجاح بها فقط من قراءة ملامحهم، فق كانت تعابير وجوههم مسترخية، هادئة مع ابتسامة رقيقة.
من أثمن ما استفدته من قراءة هذا الكتاب هو تعلم آلية التصور أو التخيل وبناء مشهد التشافي، فكما أثبت العلاج الوهمي أن القوة تكمن فينا، فإن التصور يمثل قوة العقل الواعي في التأثير على العقل الباطن وكل ما يقع تحت سيطرته، ومن القصص الحقيقية التي شاركها الكاتب والتي توضح آلية التصور واحدة عن مريضة سرطان، رسمت في مخيلتها مشهدا تفصيليا لأعضاء جسدها المصابة وتخيلت الخلايا الخبيثة على شكل كتل ثلجية وتصورت نفسها بحجم ذرّة تنساب داخل الشرايين حتى تصل لتلك الكتل الثلجية فتقوم بإذابتها شيئا فشيئا من مناطق انتشارها مع استخدام كلمات إيجابية مليئة بالإيمان لتعزز مشهد التشافي، واستمرت على ذلك حتى تشافت فعليا. وأيضا من قصص الشفاء الذاتي التي شاركها الكاتب، قصة عن مريض كان يعطي أوامر للخلايا الجذعية على التشكل على شكل أي خلية يحتاجها الجسم في أي جزء منه، ومن ثم يتصور نفسه يبني بها غضاريف في مفصل خشن أو يحولها لكريات دم حمراء قوية وغيرها مما يحتاجه الجسم.
لم يعد ممكنا إنكار ارتباط التوتر بالقلق، والاكتئاب، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسرطانات، وأمراض المناعة، لكن الأمر الإيجابي هو أنه كما يمكنك أن تغير نظامك الغذائي ونمط حياتك فبإمكانك أن تغير طبيعتك الداخلية بتغيير معتقداتك وقناعاتك، ولتعرف طبيعتك طرح الكاتب تجربة «السوار»، وهي أن تبدل السوار من يد لأخرى كلما تذمرت حتى تدرك عدد مرات التذمر التي بدرت منك، وهذا يفتح وعيك تجاه طبيعة تصرفاتك وردود أفعالك.
لا يمكن أن تحمل الامتنان والغضب في وجدان واحد، كما لا يمكنك القلق من الوصول للسكينة الداخلية أو للنفس الراضية، وإن أردت أن تستبدل بالتذمر الشكرَ الذي سيجلب لك الخير أو أن تمضي بحياتك قدماً بلا ندوب تشوه بصيرتك فبإمكانك أن تستخدم آلية التصور، كأن تسبح بداخل الشرايين والأوردة أو التيارات العصبية حتى تصل لمكان الذكرى المؤلمة أو المخجلة وتقوم بمسحها بممحاة بيضاء، وتعاود الكرة مرة ومرة حتى تضمر وترسم أو تكتب مكانها عبرة أو أملاً، وكلما راودك تذمر أو قلق ينغز قلبك، استدركه بعقلك الواعي واستبدل به تسبيحاً أو أي قول يريح قلبك بصوت مسموع ليعيد برمجة عقلك الباطن.
خُلق الإنسان بفطرة الاستسلام والتسليم بالقضاء، وكلما قاومها غلبه الهمّ ونهش جسده وأرهق روحه وسلب النور من عينيه، فاختر نهج التوكل على الله وإن ابتُليت فاصبر صبراً جميلاً.