ومع التطورات التقنية المتسارعة، ووجود فضاء رقمي متسع، لم تعد السياسة تُصنع فقط داخل المكاتب وقاعات الاجتماعات، بل أصبحت تُصنع أيضاً على شاشات الهواتف الذكية وفي منصات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات العامة التي تتشكل لحظة بلحظة، ولم يعد السياسي يُقاس فقط بقدرته على التواصل مع النخب أو مراكز القرار، بل أيضاً بقدرته على التواصل مع المجتمع وشرح مواقفه وإقناع الجمهور وبناء التأييد للقضايا التي يتبناها.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين سياسي الغرف المغلقة وسياسي الفضاء المفتوح، فالأول قد يمتلك شبكة علاقات واسعة وخبرة تفاوضية مهمة، لكنه قد يفتقر إلى القدرة على التأثير في الرأي العام أو بناء قاعدة شعبية حقيقية، أما الثاني، فيدرك أن السياسة لم تعد مجرد إدارة للعلاقات بين النخب، بل أصبحت عملية مستمرة من التواصل والإقناع والتفاعل مع المجتمع بقضاياه المختلفة.
هذا التحول لا يعني أن السياسة التقليدية فقدت أهميتها، حيث ما تزال المؤسسات والتفاوض وصناعة التوافقات عناصر أساسية في العمل السياسي، ولكن المشكلة تظهر عندما يعتقد بعض الفاعلين السياسيين أن النجاح داخل الغرف المغلقة يكفي وحده لبناء حضور سياسي مؤثر، فالتجارب الحديثة في مختلف أنحاء العالم أظهرت أن السياسي الذي يغيب عن المجال العام لفترات طويلة يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، مهما كانت مكانته داخل الدوائر المغلقة.
إدراك هذا التحول أو الانتقال بالسياسة من الغرف المغلقة إلى الفضاء المفتوح أردنياً أمر بالغ الأهمية، خصوصاً في ظل مسار التحديث السياسي الذي يهدف إلى تعزيز دور الأحزاب والحياة النيابية، فالأحزاب لا تستطيع بناء حضورها عبر الاجتماعات الداخلية أو المؤتمرات التنظيمية فقط، بل عبر قدرتها على الاشتباك الفعلي مع القضايا التي تشغل المواطنين، والاشتباك هنا لا أقصد به الصدام أو المزايدة الكلامية واللفظية، بل المقصود به الحضور المستمر في النقاشات العامة وتقديم الرؤى والحلول والتفاعل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه المجتمع.
ويمكن للمراقب للمشهد السياسي الأردني أن يدرك أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب اليوم أنها ما تزال تتعامل مع السياسة أحياناً باعتبارها نشاطاً نخبوياً محدوداً، بينما أصبحت السياسة في العصر الرقمي نشاطاً مجتمعياً مفتوحاً، فالمواطن لم يعد ينتظر البيان الحزبي أو المؤتمر الصحفي لكي يكوّن رأيه، بل أصبح يتابع الأحداث مباشرة ويقارن بين الروايات المختلفة ويبحث عن الجهات القادرة على تقديم تفسير مقنع وحلول عملية، وغياب السياسيين والأحزاب عن الفضاء العام يسمح بوجود شخصيات لا تملك المعرفة والخبرة الضرورية لتقود المزاج العام والرأي العام، ويفتح مجالاً واسعاً للشائعات، ليصبح الفضاء العام في الأردن منقاداً بالشائعة وغياب الحقيقة، والأخطر هو غياب النقاش المتزن، فتظهر خطابات الكراهية المنفلتة.
وصار من الضروري أن يمتلك السياسي والحزب أدوات التحشيد السياسي، والمقصود بالتحشيد هنا ليس مجرد حشد الجماهير في المناسبات أو الانتخابات، بل بناء شبكات مستدامة من المؤيدين والمتفاعلين والمهتمين، كما يشمل القدرة على استخدام الإعلام الرقمي وإنتاج المحتوى السياسي والتواصل مع الفئات المختلفة وصناعة سرديات سياسية قادرة على الوصول إلى الناس بلغتهم اليومية.
فالسياسي والحزب الذي يريد تطوير قواعده الشعبية لا يستطيع الاكتفاء بخطاب عام أو شعارات فضفاضة، بل يحتاج إلى الحضور الدائم في قضايا المعيشة والعمل والتعليم والطاقة والسكن والنقل والاقتصاد الرقمي، لأن الأردنيين لن ينضموا إلى الأحزاب بسبب البرامج النظرية وحدها، بل عندما يشعرون أن هذه الأحزاب تفهم مشكلاتها وتمتلك تصورات واقعية لمعالجتها.
وصرنا ندرك في العمل السياسي، بناء على التجارب السابقة والمعارف المتحصلة، أن بناء القواعد الشعبية يتطلب استثماراً أكبر في الكوادر المحلية والشبابية وتوسيع المشاركة الداخلية والانتقال من العمل الموسمي المرتبط بالانتخابات إلى العمل المجتمعي المستمر، فالسياسي الذي يظهر موسمياً، أو الحزب الذي يظهر كل أربع سنوات، عند مواعيد الانتخابات، ثم يختفي، لن ينجح في بناء ثقة مستدامة أو حضور مؤثر في المجال العام.
السياسة الحديثة لم تعد تسمح بالفصل الكامل بين الغرف المغلقة والفضاء المفتوح، فالسياسي الناجح اليوم هو من يجمع بين القدرة على العمل المؤسسي وصناعة التوافقات من جهة، والقدرة على التواصل مع المجتمع وبناء التأييد الشعبي من جهة أخرى، أما الأحزاب التي تطمح إلى لعب دور حقيقي في المستقبل، فعليها أن تدرك أن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط داخل المؤسسات، بل تُبنى أيضاً في المجال العام، حيث تتشكل الأفكار وتُختبر البرامج وتُكتسب الثقة الشعبية يوماً بعد يوم.