هنا تحديدًا يبرز النموذج الأردني، أو الصيرورة الأردنية، التي سارت عبر مسيرتها الطويلة بعكس الاحتمالات والتصورات المسبقة، بل إن الأردن أوجد لنفسه واقعًا ناقض به مآلات هذه التحولات المتلاحقة التي عصفت بالإقليم منذ أواخر الحقبة العثمانية وحتى هذه اللحظة. فكثيرًا ما تُرك الأردن وحده في خضم صراعات كبرى وتصادم مصالح دولية وإقليمية، وكان الرهان دائمًا أنه لن ينجو وسط تلاطم أمواج عاتية لا تكاد تهدأ حتى تثور مجددًا، لكن الأردن لم ينجُ وحسب، بل خرج من كل معترك أكثر تماسكًا وأعمق صلابة، فارضًا مكانته واحترامه في زمن تكاثرت فيه الصعاب، فلا متكأ فيه إلا على الذات والبنيان المرصوص.
ليس في مكامن القوة ومصادر الاستقرار الأردنية غموض، أو ملاذات عصية على الفهم، فالحالة الأردنية المتعاظمة هي نتاج انصهار عوامل أساسية محلية الصنع، جعلت من الأردن معجزة بحد ذاته. ولعل أهم هذه العوامل والمرتكزات هي إيمان الأردنيين ببلدهم وتماهيهم مع قيادتهم، وإدراكهم لدورهم التاريخي العروبي، وفهمهم العميق للحالة العربية والإقليمية العامة، وأنه ليس لهم من منعة غير تمتين هذا الحصن الأردني ليكون بنيانًا مرصوصًا، لا فجوات فيه ولا خلل، عصيًا على الريح مهما اشتد أوارها. فالتعاضد المجتمعي الصلب، وتمازج المكونات الوطنية في بوتقة واحدة، مشفوعين بوعي لماهية المخاطر والأطماع التي تحيق بنا، تعد أبراجًا حصينة في قلعتنا. كما أن حكمة القيادة الهاشمية، وهي ربان السفينة في كل المراحل، ومكانتها في المنطقة والعالم، المؤطرة بوضوح الموقف وصلابة المبدأ وعدم المساومة على مصالح الأردن، والسعي الدؤوب إلى تخفيف حدة التوترات في المنطقة، والعمل على حماية الأردن من أي منزلق خطر، كلها عوامل أساسية في تعظيم مصادر القوة الذاتية والمنعة المستدامة.
إن الاعتدال السياسي نسق أردني، وهو مصدر قوة واستقرار، لكنه اعتدال معزز بمواقف حازمة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية والعربية العادلة. فهو لا يتهاون بسيادة الوطن وحقوقه ومكتسباته، ويدافع عن حدوده وسمائه ببطولة نادرة. فالاشتباكات شبه يومية، والشهداء الأطهار يروون ثرى الوطن بأطهر الدماء، وهذا ديدن القوات المسلحة الأردنية برًا وجوًا. إنه اعتدال يساند بقوة لافتة للانتباه القضية الفلسطينية وجوهرها القدس الشريف، وهي مصلحة أردنية عليا وإرث تاريخي نهض به الأردن في كل مرحلة وعند كل منعطف، وما زال الصوت الأبرز والأكثر وضوحًا في مساندة الأشقاء في فلسطين. وقد شهد العالم صلابة الموقف الأردني في الحرب على غزة، رغم حجم الضغوط واتساع دائرة التضييق على الأردن سياسيًا واقتصاديًا، ومحاولات فاشلة للتشكيك في تاريخه ومواقفه، فقد تبين الرشد من الغي.
إن وقوف الأردن مع الأشقاء في دول الخليج في الحرب الأخيرة، التي تعرض خلالها الأردن لاعتداءات إيرانية سافرة، يؤكد الصلابة الأردنية والمنعة الذاتية والقدرة على المواجهة العسكرية، وفي الوقت ذاته تقديم الإسناد للأشقاء، بشكل جعل من هذا البلد الصغير الكبير حالة فريدة تزداد مكانته ومنعته يومًا بعد يوم، رغم التحديات الاقتصادية الجسام وظلال الأزمة العالمية المتفاقمة في الطاقة، التي قادت، بشكل أو بآخر، إلى أزمة مالية عالمية ثقيلة الظلال.