في كل عام، ومع احتفالات الأردنيين بعيد الاستقلال، تتجدد في الوجدان الوطني معاني الدولة والهوية والانتماء، ويعود السؤال الأكثر أهمية: كيف نحافظ على هذا الإنجاز التاريخي وننقله من جيل إلى جيل بوصفه وعياً ومسؤولية، لا مجرد مناسبة وطنية عابرة؟
فالاستقلال في التجربة الأردنية لم يكن حدثاً سياسياً منفصلاً عن المجتمع، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً لبناء الدولة الحديثة، ارتكز على رؤية هاشمية عميقة، ومؤسسات وطنية متماسكة، وإنسان أردني آمن بأن قوة الدولة من قوة وحدتها، وأن استقرار الوطن ليس أمراً مسلماً به، بل مسؤولية جماعية تتطلب وعياً دائماً وتجديداً مستمراً.
ومن هنا، فإن الحديث عن الاستقلال اليوم لا ينفصل عن الحديث عن التربية الوطنية بمعناها العميق؛ أي بناء الإنسان القادر على حماية الدولة، لا مجرد العيش في كنفها، والمواطن الذي يدرك حقوقه وواجباته معاً، ويمتلك القدرة على التمييز بين حرية الرأي وبين العبث بالثوابت الوطنية، وبين النقد المسؤول ومحاولات التشكيك أو بث الإحباط.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما تواجهه الدول ليس التحديات الخارجية وحدها، بل هشاشة الوعي الداخلي، وضعف الانتماء، وتآكل الثقة بالمؤسسات. ولذلك فإن التماسك الوطني لم يعد شعاراً سياسياً أو خطاباً احتفالياً، بل أصبح ضرورة وجودية في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتحولات عميقة.
وفي الحالة الأردنية تحديداً، شكّل التماسك الوطني عبر العقود صمام الأمان الحقيقي للدولة، حيث نجح الأردن، بقيادته الهاشمية ووعي شعبه، في تجاوز أزمات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، لأن الجبهة الداخلية بقيت متماسكة وقادرة على تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات ضيقة.
غير أن المحافظة على هذا التماسك تتطلب اليوم مراجعة جادة لدور مؤسسات التربية والتعليم والجامعات والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي الشباب. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتلقين مفاهيم الوطنية في الكتب المدرسية فقط، وإنما ببناء ثقافة وطنية نقدية واعية، تعزز قيم المواطنة، واحترام القانون، والعمل الجماعي، وقبول التنوع، والإيمان بالدولة المدنية القائمة على العدالة وتكافؤ الفرص.
إن الشباب الأردني يمتلك طاقات كبيرة، لكنه يحتاج إلى مساحات حقيقية للمشاركة، وإلى خطاب يثق بقدراته، وإلى مؤسسات تستثمر في وعيه لا في احتوائه المؤقت. فالشباب عندما يشعر بأنه شريك في صناعة المستقبل، يصبح أكثر دفاعاً عن الدولة وأكثر حرصاً على استقرارها وإنجازاتها.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن يتحول الشباب إلى حالة من الاغتراب الوطني أو فقدان الثقة، لأن الفراغ الفكري والاجتماعي يشكل بيئة خصبة للتطرف أو الإحباط أو الانسحاب من الشأن العام. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في الاستقلال لا يكون فقط بالمشروعات والبنية التحتية، بل ببناء الإنسان الواعي القادر على صيانة المكتسبات الوطنية.
لقد نجح الأردن عبر مئة عام في تقديم نموذج للدولة المتماسكة رغم محدودية الموارد وتعقيدات الجغرافيا السياسية. وهذا النجاح لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكم طويل من الحكمة السياسية والوعي المجتمعي والاعتدال الوطني.
واليوم، ونحن نستحضر معاني الاستقلال، فإن الواجب الوطني والأخلاقي والتربوي يقتضي أن نعيد الاعتبار لقيم العمل والانتماء والمسؤولية، وأن نرسخ لدى الأجيال الجديدة أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل مشروع جماعي نحميه ونطوره ونورثه أكثر قوة واستقراراً.
فالاستقلال الحقيقي لا يُقاس فقط برفع العلم، بل بقدرة الدولة على إنتاج مواطن واعٍ، متماسك، ومؤمن بأن قوة الأردن كانت وستبقى دائماً في وحدته الوطنية، وقيادته الهاشمية، وإنسانه الذي لم يتخلَّ يوماً عن دولته مهما اشتدت التحديات.