وشكل الاستقلال بالنسبة للأردنيين بداية مشروع وطني طويل الأمد، انتقل من مرحلة التحرر السياسي إلى مرحلة بناء الدولة بمفهومها الدستوري والمؤسسي. فمنذ عهد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين، بدأ الأردن بتثبيت أركان الدولة الحديثة عبر إنشاء المؤسسات الدستورية، وإرساء الحياة البرلمانية، وبناء الجيش العربي، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
ومنذ تلك المرحلة، ارتبط مسار الدولة الأردنية بمحيطها العربي والإقليمي، وكان الأردن حاضراً في التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، فقد خاض الجيش العربي معارك الدفاع عن فلسطين عام 1948، وحافظ على القدس والضفة الغربية، فيما شكلت وحدة الضفتين مرحلة سياسية مفصلية في تاريخ الدولة الأردنية.
ومع صدور دستور عام 1952 في عهد الملك طلال بن عبدالله، دخل الأردن مرحلة متقدمة في ترسيخ مفهوم الدولة الدستورية، حيث عزز الدستور مبدأ الفصل بين السلطات، وصان الحقوق والحريات العامة، ووضع الأساس القانوني الذي تستند إليه الدولة الأردنية حتى اليوم.
أما عهد الملك الحسين بن طلال، فمثّل مرحلة محورية في بناء الدولة الحديثة بما حملته من تحديات وتحولات، ففي تلك المرحلة، عزز الأردن استقلال قراره الوطني عبر تعريب قيادة الجيش وإلغاء المعاهدة البريطانية، وخاض معركة الكرامة التي تحولت إلى رمز وطني وعربي للصمود، كما حافظ على استقراره الداخلي في ظل أزمات إقليمية متلاحقة وحروب عصفت بالمنطقة.
وفي نهاية الثمانينيات، دخل الأردن مرحلة التحول الديمقراطي الحديث من خلال استئناف الحياة البرلمانية، وإطلاق الميثاق الوطني، وترسيخ التعددية السياسية، ضمن تجربة إصلاحية اتسمت بالتدرج والتوازن.
واليوم، في عهد الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، يواصل الأردن إعادة تعريف مفهوم الاستقلال باعتباره قدرة متجددة على بناء الدولة وتحديثها وتعزيز مناعتها الوطنية، وتمثل مشاريع التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي تشهدها المملكة انتقالا نحو مرحلة جديدة تقوم على تطوير الحياة الحزبية، وتعزيز المشاركة السياسية، وتحديث الاقتصاد والإدارة العامة، وبناء نموذج أكثر قدرة على التعامل مع تحديات المستقبل.
وتتجلى أهمية عيد الاستقلال الثمانين في توقيته الذي يتزامن مع مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتسم بتحولات جيوسياسية عميقة وأزمات اقتصادية وأمنية متشابكة، وفي ظل هذا المشهد، تبرز التجربة الأردنية بوصفها نموذجا لدولة حافظت على توازنها، وأدارت التحولات بعقلانية سياسية ومؤسسات مستقرة، بعيداً عن الانهيارات أو المغامرات غير المحسوبة.
كما تحمل هذه المناسبة دلالات وطنية عميقة تؤكد استمرار العلاقة التاريخية بين القيادة الهاشمية والدولة والمجتمع، وترسخ حقيقة أن الاستقرار الأردني جاء نتيجة تراكم طويل في بناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الاعتدال والانفتاح السياسي.
وعلى امتداد ثمانية عقود، حافظ الأردن على حضوره الإقليمي والدولي باعتباره دولة توازن واعتدال، ولعب أدواراً سياسية وإنسانية ودبلوماسية فاعلة، سواء في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وفي جهود مكافحة التطرف، وفي تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
إن الاحتفال بعيد الاستقلال الثمانين يحمل بعداً يتصل بالمستقبل بقدر ارتباطه بمحطات الماضي، في ظل دخول الدولة الأردنية مئويتها الثانية برؤية تقوم على التطوير والتحديث المستمر، فالأردن يعمل اليوم على تعزيز منجزات الاستقلال عبر مشروع وطني طويل الأمد يهدف إلى بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.