لقد أثبت الأردن، رغم محدودية موارده وصعوبة موقعه الجيوسياسي، أن الاستقلال ليس شعاراً رمزياً بل مشروع دولة متواصل يقوم على التحديث والتكيف مع المتغيرات، فالمنطقة العربية شهدت خلال العقود الماضية انهيارات دول وحروباً أهلية وصراعات إقليمية وتغيرات حادة في موازين القوى، ولا يمكننا التغاضي عن تبعات القضية الفلسطينية المستمرة منذ عام 1948، أي بعد عامين فقط من استقلالنا الوطني، وفي خضم كل ذلك استطاع الأردن الحفاظ على تماسكه واستقراره ومؤسساته. وتطور كثيراً على مستوى المؤسسات والخدمات، دون تنازلات عن مجموعة المبادئ الناظمة له، ولذلك فإن ما تحقق من إنجازات متراكمة لم يكن نتيجة الصدفة، بل كان نتيجة بناء مستمر للمنعة الداخلية على جميع المستويات إن كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية، حيث أدرك الهاشميون أن منعة الدولة تقوم على قوة الدولة ومؤسساتها، وعلى وعي المجتمع بخطورة الفوضى التي ضربت الإقليم ولم تغادره حتى الآن.
ومنذ تولي جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، لعب دوراً محورياً في تعزيز مفهوم الاستقلال الوطني بصيغته الحديثة، من خلال إعلاء المصالح الأردنية العليا في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، فقد حافظ الأردن على مواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية ورفض مشاريع التهجير والوطن البديل وتمسك بحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، رغم الضغوط الإقليمية والدولية المتعددة، كما انتهج الأردن سياسة خارجية متوازنة تقوم على بناء العلاقات الدولية دون الارتهان لمحاور إقليمية متصارعة، بما يحافظ على استقلال القرار السياسي الأردني، ولم يتدخل في أي دولة من دول الجوار، وظل صوتاً واضحاً يدعو للسلام كي يسود المنطقة، لأن الأردن يرى أن السلام هو البيئة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن يزدهر الأردن والمنطقة ككل.
وعلى المستوى الاقتصادي، أدركت الدولة الأردنية أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون تعزيز القدرة الاقتصادية للدولة، ولذلك شهدت العقود الماضية إطلاق مشاريع استراتيجية تهدف إلى تقوية البنية الاقتصادية الوطنية، وفي العقدين الماضيين تنامت المشاريع التي تهدف إلى حماية الأمن الطاقوي الأردني، فتعززت الاستثمارات في الطاقة المتجددة وتم إنشاء ميناء الغاز في العقبة، وعلى مستوى الأمن المائي بدأ الأردن بالخطوات الأولى في مشروع الناقل الوطني بعد إنجاز مشروع الديسي، وأدرك الأردن في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني أهمية أن يكون الأردن جزءاً من التطور العالمي، فتم تطوير البنية التحتية الرقمية واللوجستية، كما عمل الأردن على توسيع شراكاته الاقتصادية الإقليمية والدولية، والانفتاح على مشاريع الربط الكهربائي والتعاون الاقتصادي مع دول الجوار، بما يعزز الأمن الاقتصادي ويقلل من هشاشة الاعتماد على الخارج.
لكن الحفاظ على منجزات الاستقلال لا يقع على عاتق الدولة وحدها، بل هو مسؤولية جماعية تشارك فيها الأحزاب والمجتمع والمواطنون، وهو ما دفع الدولة لتبني منظومة تحديث سياسي، ولذلك فإن فالأحزاب مطالبة اليوم بتقديم رؤى واقعية لتعزيز الاقتصاد وتطوير الإدارة العامة، في ضوء خطة التحديث الإداري والرؤية الاقتصادية، وتحفيز المشاركة السياسية، بعيداً عن الخطابات التقليدية والشعارات العامة.
كما يجب علينا كمواطنين أن نقوم بدورنا ضمن مفهوم المواطنة الفعالة، ويبدأ ذلك من خلال إدراكنا أننا جميعنا كأردنيين شركاء في هذا الوطن، وحين يدرك المواطن ذلك يصبح شريكاً أساسياً في حماية الاستقلال، وهو ما يتطلب منا احترام القانون ودعم مؤسسات الدولة والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة وتعزيز ثقافة الإنتاج والعمل والمسؤولية..
حين أنظر للتاريخ، أدرك أن استقلال الأردن لم يكن محطة عابرة في التاريخ، بل مشروعاً وطنياً متجدداً يتطلب التحديث المستمر وتعزيز المنعة الداخلية والقدرة على حماية القرار الوطني في عالم مضطرب، وفي ظل ما يحيط بالمنطقة من تحديات، يبقى الحفاظ على الدولة الأردنية القوية والمستقرة أحد أبرز معاني الاستقلال وأكثرها عمقاً.
ولنتذكر أن استقلالنا مستمر ووطننا سيد حر، وكل عام وأردننا والأردنيون بخير.