في الخامس والعشرين من أيار، لا يبدو الاحتفال مجرد استذكار لحدث تأسيسي، بل هو قراءة في تجربة دولة قررت منذ البداية أن تبني نفسها في ظروف ليست مثالية، وأن تصنع من القليل الكثير، ومن التحديات فرصا، ومن الاستقرار مشروع بقاء وازدهار.
الأردن لم يملك رفاهية الجغرافيا، لكنه امتلك وضوح البوصلة. ولم يملك وفرة الموارد، لكنه امتلك وفرة الإرادة. ومن هنا بدأت الحكاية: دولة تعرف حدود قدراتها، لكنها ترفض أن تكون محكومة بها.
على مدى ثمانية عقود، تشكلت هوية الدولة الأردنية على قاعدة صلبة قادتها القيادة الهاشمية الحكيمة برؤيةٍ اتسمت بالاعتدال والثبات: مؤسسات تُبنى بالتدريج ولا تنهار، وجيشٌ يحمي ولا يساوم، وأجهزة أمنية شكّلت على الدوام صمام أمانٍ للوطن وحصناً لاستقراره، وتعليمٌ فتح أبواب الارتقاء الاجتماعي، واستقرارٌ أصبح في زمن المنطقة المضطرب "إنجازاً" بحد ذاته.
ولعل أحد أهم إنجازات الأردن أنه لم يقع في فخّ الانبهار بالتجارب السريعة أو الشعارات الكبرى، بل اختار طريقاً أكثر صعوبة وأقل ضجيجاً: البناء التراكمي. دولة تتقدم خطوة خطوة، ولا تتراجع.
في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، تعمّق هذا النهج مع دخول الأردن مرحلة تحديث شاملة تستهدف إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة: اقتصاد أكثر إنتاجية، حياة سياسية أكثر انفتاحاً، وإدارة عامة أكثر كفاءة. ليس كعناوين كبرى فقط، بل كمجهود حقيقي لضبط إيقاع الدولة مع زمن يتغير بسرعة.
إلى جانب ذلك، برزت جلالة الملكة رانيا العبدالله كصوتٍ مختلف في المشهد الأردني والدولي، يربط الداخل بالخارج عبر ملفات كثيرة منها التعليم والطفولة وتمكين المرأة، ويقدم الأردن بصورته الإنسانية الحديثة: دولة تفكر بالإنسان قبل الأرقام، وبالفرص قبل الخطاب.
أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، فيمثل امتداداً عملياً لفكرة الجيل الجديد داخل الدولة، حيث لا تُدار الرمزية من بعيد، بل تُترجم إلى حضور ميداني في قضايا الشباب، وريادة الأعمال، والتكنولوجيا، بما يعكس انتقال الدولة تدريجياً نحو عقلية أكثر حداثة واتصالاً بالواقع.
وربما أهم ما يميز التجربة الأردنية ليس ما أنجزته فقط، بل ما تجنبت الوقوع فيه. فقد نجح الأردن في الحفاظ على تماسكه في إقليمٍ شهد انهيارات متكررة، ونجح في حماية استقراره الداخلي دون أن يغلق نوافذه على العالم، ونجح في أن يبقى دولة "متمكنة" في زمن الدول المستحيلة.
القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية كانت وما زالت في هذا السياق أكثر من مؤسسات وطنية؛ كانت فكرة استقرار، ورمز ثقة، وعقداً غير مكتوب بين الدولة ومواطنيها بأن هناك دائماً من يحمي الأردن الغالي ويحافظ على أمنه واستقراره.
على المستوى الإقليمي، ظل الأردن ثابتاً في موقعه الأخلاقي والسياسي تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، محتفظاً بدوره في حماية المقدسات في القدس، في زمن تتغير فيه المواقف وتتبدل التحالفات بسرعة لافتة.
وعلى المستوى الدولي، نجح الأردن في ترسيخ صورته كدولةٍ تحظى بالاحترام والثقة، ليس بحجم قوتها المادية، بل بحكمة مواقفها واتزان سياستها. فكان صوتاً يدعو للحوار والسلام، وشريكاً فاعلاً في الجهود الإنسانية ومكافحة التطرف وتعزيز الاستقرار العالمي، ما منح الأردن حضوراً يتجاوز حجمه الجغرافي، ورسّخ مكانته كدولة يُنظر إليها باعتبارها نموذجاً للاعتدال والموثوقية في عالمٍ مليء بالتحولات.
ثمانون عاماً من الاستقلال لا تختصرها الاحتفالات، بل تختبرها الأسئلة: كيف بقي هذا الوطن متماسكاً؟ وكيف حافظ على هويته؟ وكيف نجح في الاستمرار في بيئة صعبة دون أن يفقد بوصلته؟.
الإجابة الأردنية ليست خطاباً جاهزاً، بل تجربة حيّة: دولة اختارت أن تبقى، وأن تتقدم، وأن تُراكم الإنجاز بهدوء، حتى أصبح "الاستقرار" أحد أهم إنجازاتها، وأصبح "الاستمرار" شكلًا من أشكال النجاح.