لقد شكّل الاستقلال الأردني نقطة التحول الكبرى في بناء مؤسسات الدولة الحديثة حيث انتقل الأردن من مرحلة التأسيس السياسي إلى مرحلة ترسيخ الشرعية الدستورية والقانونية فأصبح الدستور الأردني هو المرجعية العليا التي تُنظم العلاقة بين السلطات وتكفل حقوق المواطنين وتحدد الواجبات والمسؤوليات ومنذ ذلك التاريخ أخذ القضاء الأردني مكانته كحصنٍ للعدالة وميزانٍ للحق وأصبحت رسالة المحامي جزءاً أصيلاً من حماية الدولة القانونية.
إن المحامي الأردني حين ينظر إلى عيد الاستقلال لا يراه مجرد مناسبة وطنية وإنما يراه انتصاراً لفكرة الدولة التي يحكمها القانون لا الأشخاص وانتصاراً لهيبة القضاء واستقلاله وانتصاراً لحق المواطن في أن يلجأ إلى قاضيه الطبيعي آمناً مطمئناً بأن العدالة فوق الجميع وأن النص القانوني هو الفيصل بين الخصوم.
قد أثبت الأردن عبر عقود طويلة أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا باستقلال القضاء وسيادة القانون فالدولة التي لا تحترم أحكام قضائها ولا تصون حقوق مواطنيها تبقى دولة ناقصة السيادة مهما امتلكت من إمكانات ولهذا كان القضاء الأردني عنواناً للنزاهة والاعتدال وكانت المحاكم النظامية مدرسة قانونية خرّجت أجيالاً من القضاة والمحامين الذين حملوا رسالة العدالة بأمانة وشرف.
ومن زاوية قانونية فإن الاستقلال منح الأردن شخصيته القانونية الدولية الكاملة فأصبح قادراً على إبرام المعاهدات والانضمام إلى المنظمات الدولية وممارسة سيادته التشريعية والقضائية والإدارية بصورة مستقلة وهو ما عزّز مكانة الأردن في المجتمع الدولي كدولة مؤسسات تحترم القانون الداخلي والالتزامات الدولية في آنٍ واحد.
إن أعظم ما يميز الدولة الأردنية أنها قامت على معادلة دقيقة تجمع بين الأمن والحرية وبين هيبة الدولة وكرامة المواطن فالقانون الأردني لم يكن يوماً أداة قمع بل كان وسيلة لحماية المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية وتنظيم الحقوق والحريات وفق أحكام الدستور ومبادئ العدالة والإنصاف.
وفي عيد الاستقلال يبقى واجبنا كمحامين وقانونيين أن نحافظ على هذه الرسالة الوطنية النبيلة وأن نُرسّخ ثقافة احترام القانون وأن نُدافع عن استقلال القضاء وأن نواجه أي اعتداء على الحقوق أو الحريات بالوسائل القانونية المشروعة لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها الأمنية والعسكرية بل أيضاً بقوة منظومتها العدلية وثقة الناس بقضائها.
سيبقى الاستقلال الأردني قصة وطنٍ بُني بالإرادة والعزيمة وسيبقى القانون هو السور الذي يحمي هذا الوطن من الفوضى والتعدي والانقسام وستبقى العدالة هي اللغة التي تجمع الأردنيين تحت راية الدولة الواحدة والقيادة الهاشمية الحكيمة.
وكل عام وأردناً أكثر قوةً وعدلاً وسيادةً..