تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتحولات السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث لم يعد قياس نجاح الدول يفي المنطقة فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات عند وقوعها، بل بمدى قدرتها على توقعها والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي لها.
ولا يمكن إعادة قراءة الأزمات التي مرت بها المنطقة دون الالتفات إلى ما يمكن تسميته بـ(التجربة الأردنية)، وهي تجربة عميقة في إدارة الأزمات، وتحولت تدريجياً إلى واحدة من التجارب اللافتة إقليمياً، وبالتأكيد ليس بسبب غياب التحديات، بل على العكس تماماً، بسبب كثافتها واستمراريتها، من الأزمات الإقليمية والحروب المحيطة إلى الضغوط الاقتصادية والطاقة واللجوء والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
ولكن مع تسارع الأزمات وتطور أشكالها، هل ما زال النموذج الأردني فعالاً أم يحتاج إلى تطوير وتحديث، حيث اعتمد الأردن طيلة عقود سابقة على نموذج (الاستجابة للأزمة)، أي التعامل مع الحدث بعد وقوعه ومحاولة احتوائه وتقليل أضراره، وقد أثبت الأردن، خلال مراحل مختلفة، قدرة عالية على احتواء الصدمات والتكيف معها، سواء خلال تداعيات الحرب العراقية، أو الأزمة السورية، أو جائحة كورونا، أو التوترات الإقليمية المتكررة، ولكن طبيعة الأزمات الحديثة تغيرت بصورة جذرية، وأصبحت أكثر تعقيداً وسرعة وتشابكاً، ما يجعل نموذج (الاستجابة) وحده غير كافٍ.
ومع التطورات التي تشمل جميع مناحي الحياة، بما فيها أدوار الدولة وأدواتها، يمكن ملاحظة الانتقال التدريجي من نموذج (دولة الاستجابة) إلى نموذج (الدولة الاستباقية)، أي الدولة التي تبني أنظمة إنذار مبكر وتستخدم البيانات والتحليل والتخطيط بعيد المدى وتتعامل مع الأزمات باعتبارها جزءاً دائماً من البيئة الاستراتيجية لا أحداثاً استثنائية مؤقتة، وهذا التحول لم يعد ترفاً في العصر الحالي، والذي قد تتحول فيه أية أزمة محلية إلى أزمة إقليمية أو عالمية تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على عدة مستويات في دول الجوار، وقد تتحول أية أزمة في مجالات الأمن والطاقة والمناخ والغذاء والاقتصاد الرقمي وحتى الاوبئة إلى أزمة كبيرة ومؤثرة على دول الإقليم أو العالم، وهو ما يعني أن هذا التحول في نموذج الدولة بات ضرورة وجودية.
وهنا في الأردن تبدو الحاجة إلى هذا التحول ضرورية بصورة كبرى، فالأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي، يتأثر سريعاً بأي تغير إقليمي، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً فيه، كما يتأثر ببعض القضايا العالمية بصورة مباشرة كما في حالة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً أو اضطراب سلاسل الإمداد أو التحولات الاقتصادية الدولية، وحتى الأزمات المناخية، فكلها تنعكس مباشرة على الداخل الأردني، ولهذا فإن إدارة الأزمات في الأردن لا يمكن أن تبقى محصورة في منطق رد الفعل، بل تحتاج إلى بناء ثقافة مؤسساتية قائمة على التوقع والاستعداد.
الحديث عن انتقال النموذج لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الأردن يفتقد أدوات إدارة الأزمات، لكن التحدي اليوم لم يعد فقط في كفاءة إدارة الأزمة بعد وقوعها، بل في القدرة على قراءة المؤشرات المبكرة قبل أن تتحول إلى أزمة كاملة.
ويتطلب الانتقال من (الاستجابة) إلى (الاستباق) يتطلب إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها، فالدولة الحديثة لم تعد مجرد جهاز إداري يقدم الخدمات ويتدخل عند الطوارئ، بل أصبحت مركزاً لإدارة المخاطر المستقبلية، وهو ما يستوجب استثماراً أكبر في مراكز الدراسات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والتخطيط الاستراتيجي، بالإضافة إلى ربط المؤسسات المختلفة ضمن منظومة مرنة وسريعة القرار.
ولكي تكون الدولة استباقية في تعاملها مع الأزمات، لا بد من بناء الثقافة الاستباقية، بحيث يتم تعميم هذه الفكرة على عدة مستويات وقطاعات مثل الإعلام والتعليم والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وألا يبقى محصوراً داخل المؤسسات الرسمية فقط.
وعلينا أن ندرك أن العالم لم يعد يتحرك بإيقاع مستقر يمكن التنبؤ به بسهولة، وأن الدول التي ستنجح في المستقبل ليست فقط الدول هي تلك القادرة على احتواء الأزمات، بل تلك القادرة على رؤيتها قبل أن تقع، وأن الانتقال إلى نموذج (الاستباق) في بعده الاستراتيجي سيمنح الاردن القدرة على الاستجابة الذكية.