وسط البلد يتنفس بإيقاع مختلف. الضجيج لا يزال موجوداً ، لكنه أهدأ، والناس أبطأ. كأن المساء يأذن للمدينة بأن تسترخي قليلاً.
وفي الزاوية المعتادة ، كان صديقي يرتب كتبه.
نفس المكان الذي كان يجلس فيه والده. نفس الرفوف. نفس الكتب التي اصفرّت أطرافها من الزمن. وكأن شيئاً هنا قرر ألا يتغير، لأنه لا يحتاج.
أعرف هذا الكشك منذ أن كنت أعرف والده.
رجل أحب الكتب قبل أن يبيعها، وأورث ابنيه هذا الحب قبل أن يورثهما الكشك. الأخ بالصباح، وصديقي بالمساء. وبينهما ، ذاكرة أب لم يرحل تماماً طالما بقيت هذه الرفوف.
جلست إليه تلك المساء وتحدثنا عن الحياة كما نفعل دائماً.
عن الناس. عن الزمن. عما تغيّر وما لم يتغير.
ثم سألته: "ماذا علّمك بيع الكتب والشارع طوال هذه السنوات؟".
صمت لحظة. ونظر إلى الكتب من حوله،وقال بهدوء:
"تعلّمنا .. ولم يُعلَّم علينا".
توقفت عند هذه الجملة طويلاً.
لأنها تحمل حقيقة أدركها كل من وصل إلى المعرفة الحقيقية عبر التاريخ : أن الإنسان الذي يقرأ ويتعلم حقاً لا يخرج متعالياً، بل يخرج أكثر دهشة أمام الحياة، وأكثر تواضعاً أمام ما لا يعرفه.
لأنه كلما اتسعت دائرة ما تعرف، اتسعت معها دائرة ما تدرك أنك لا تعرفه.
الكتاب لا يمنحك إجابات فقط، بل يمنحك أسئلة أعمق. وهذا هو الفرق بين من يقرأ ليتعالى، ومن يقرأ ليفهم.
صديقي -بثلاثين عاماً بين هذه الكتب - اختار الثاني. وهذا الاختيار صنع منه ما هو عليه.
كل كتاب على رفوفه يحمل أثر إنسان قرأه ذات يوم، ووضع خطاً تحت جملة لمسته، ثم مضى، لكن الجملة بقيت.
وصديقي يحرس هذه البقايا الإنسانية بصمت — بينما المدينة من حوله مستعجلة.
حين غادرت، التفتُّ مرة أخيرة.
كان يقرأ.
لم يكن ينتظر زبوناً، ولم يكن يراقب الشارع.
كان يقرأ.. كأن هذا هو السبب الحقيقي لوجوده هنا.
وهو يُعلّمني كل مساء بلا كلام:
أن أعظم ما يمنحه الكتاب ليس المعرفة، بل التواضع أمام ما لا نعرفه،وأن من تعلّم ولم يُعلَّم عليه، هو وحده من يستحق أن يُقال عنه: قرأ.