لم أدرك حجم الخراب الذي يحدثه التدخين إلا بعد أن أصبحت طبيباً، كنت أعرف أن التدخين هو سبب السرطان وأمراض القلب. لكنني كنت أخرج من العيادة وأشعل سيجارة، تناقض مؤلم بين العلم والسلوك. كنت أعرف أن نصف الأردنيين مدخنون، وأن حوالي 40% من المدخنين في الأردن بدأوا قبل عمر 18، وأن ثلث المدخنين يشعلون أول سيجارة خلال 5 دقائق من الاستيقاظ - قبل أن يغسلوا وجوههم، كنت أعرف الكثير من الأرقام الصادمة والمقلقة، وقد شاركت في لجنة اعادة صياغة قانون الصحة العامة لتغليظ عقوبات التدخين في الأماكن العامة.
عندما كنت مدخناً، بعد عشرين عاماً من التدخين، بدأت الأعراض الحقيقية تظهر: سعال مزمن كل صباح، بلغم لزج، ضيق تنفس عند صعود السلالم، ظننتها تقدماً طبيعياً في العمر، لكن الحقيقة كانت أن رئتي كانتا تصرخان. بعد ثلاثين عاماً، أصبت بارتفاع ضغط الدم، شعبتاي الهوائيتان أصبحتا أضيق، وقلبي يخفق بسرعة غير طبيعية، تعرضت لأزمات متكررة من التهاب القصبات الحاد، مرة كل شتاء وأحياناً مرتين.
في السنوات العشر الأخيرة من تدخيني،ازداد ضيق النفس لدرجة أنني كنت أتوقف أثناء المشي لأنني بحاجة لالتقاط أنفاسي، أصابعي تحولت إلى اللون الأصفر النيكوتيني، أسناني تخلخلت، ورائحة فمي أصبحت مقززة، كنت أنكرها لكن زوجتي وأطفالي لم يكونوا يتحملون الجلوس بجواري،الفحوصات أظهرت أن نسبة أول أكسيد الكربون في دمي كانت مرتفعة بشكل خطير، وقدرتي على بذل الجهد كانت تساوي نصف قدرة شخص غير مدخن من عمري،و حدث ما كنت أتوقعه: الإصابة بمرض القلب التاجي، وانتهى الأمر بجراحة قلب مفتوح وزراعة شرايين بدلاً من تلك التي أتلفها التدخين.
عندما تركت التدخين، لم يكن يوم القرار درامياً، استيقظت، نظرت إلى علبة السجائر نصف الفارغة على الطاولة، وسألت نفسي: لمتى؟ لم أضع خطة، لم أقرأ كتاباً، لم ألصق لاصقات، فقط قررت أنني تعبت من أن أكون عبداً للسجائر، استخدمت العلاج التعويضي بالنيكوتين: لصقات وعلكة، وبدأت رياضة المشي. أول أسبوع كان جحيماً: عصبية، أرق، أكل بلا توقف، كنت أحمل قلماً وأتصرف كأنه سيجارة لخداع يدي، بعد شهر، بدأت أشم رائحة الأشياء من جديد، بعد ثلاثة أشهر، طلعت الدرج بدون ما ألهث، بعد سنة، استوعبت أنني استعدت حاسة التذوق التي سرقها الدخان مني.
فوائد الترك بدأت من الدقائق الأولى، بعد 20 دقيقة فقط، انخفض نبض قلبي وضغط دمي إلى المستوى الطبيعي، بعد 8 ساعات، عاد مستوى أول أكسيد الكربون في دمي إلى طبيعته، بعد 48 ساعة، تحسن تذوق الطعام ورائحته، بعد 72 ساعة، تحسن النفس، بعد 3 أشهر تحسنت وظائف الرئة بشكل ملحوظ، قرأت أنه بعد 10 سنوات، يصبح خطر الوفاة بسرطان الرئة نصف خطر المدخن. والأهم: الشعور بالحرية، والتخلص من العبودية اليومية لشراء السجائر وإشعالها، وتحسن ملامح الوجه والبشرة ورائحة النفس - كلها مكاسب لا تقدر بثمن.
إخواني المدخنين: لا تنتظروا أن يصيبكم المرض لتتوقفوا،لا تعتقدوا أن سنين التدخين الطويلة تعني أن الأوان قد فات، كل دقيقة تمر دون سيجارة هي استثمار في سنوات عمركم القادمة.
وصيتي لكم: أولاً، حددوا يوماً للإقلاع عن التدخين، ثانياً، اطلبوا المساعدة الطبية، فالعلاجات متوفرة ومجانية في العديد من المراكز الصحية، ثالثاً، غيروا روتينكم، وتجنبوا الأماكن والأشخاص والمواقف التي تثير رغبتكم في التدخين، رابعاً، كافئوا أنفسكم، والأموال التي توفرونها استثمروها في هواية أو رياضة. خامساً، تذكروا أن الانتكاسة ليست نهاية العالم، فكثير من الناس يحاولون عدة مرات قبل النجاح؛ ابدأوا من جديد فوراً.
عندما كنت مدخناً، كنت أظن أنني أملك السيجارة، اليوم عرفت أن السيجارة هي التي كانت تملكني، الدخان لا يعطيك شيئاً إلا وهم الراحة، وعندما تتركه، تكتشف أن الراحة الحقيقية لم تكن في إشعاله، بل في إطفائه للأبد.
أرسل رسالتي هذه من قلب الحدث: أنا كنت مدخناً، وأنا الآن حر، صحتي تحسنت، أتنفس ملء رئتيّ بكل فخر، بادر الآن، فالحملة الوطنية مناسبة ذهبية، سجل في برنامج الإقلاع عن التدخين، ولا تنتظر حتى ترى وجه الموت كما رأيته أنا.
أنقذ نفسك، فالحياة أجمل بلا دخان.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق