يعود إلينا عيد العمال العالمي في ظل حالة من الانتظار لتحسين أحوال عمال الأردن إلى الأفضل، لأننا دائمًا نبحث عن الأفضل والأجود خدمة لإخواننا العمال في كل القطاعات.
هذه مقدمة سريعة لمقال يستهدف تحسين معيشة العمال خدمة لمجتمعنا الأردني. إذ يعود عيد العمّال العالمي، في كل عام، ليطرح على طاولة الضمير الوطني سؤالًا لا يحتمل التأجيل: ماذا قدّمنا فعلًا للعمال، أولئك الذين يحملون على أكتافهم عبءَ الإنتاج، ويصنعون بصمت ملامح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟
المناسبة، في جوهرها، ليست احتفاءً رمزيًا، بل لحظة تقييم حقيقي لواقع تتداخل فيه التحديات المزمنة مع تطلعات مشروعة لحياة أكثر عدلًا وكرامة.
في الأردن، لا يمكن قراءة واقع العمال بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، حيث تتقاطع معدلات البطالة المرتفعة مع ضغوط المعيشة المتزايدة وتباطؤ النمو في بعض القطاعات الحيوية.
هذا الواقع يفرض نفسه على العامل الأردني، الذي يجد ذاته في كثير من الأحيان بين خيارات محدودة: إمّا القبول بظروف عمل دون المستوى المأمول، أو البقاء خارج سوق العمل.
وهنا تتجلّى الإشكالية الحقيقية: ليست في نقص الفرص فحسب، بل في نوعيتها، واستقرارها، وعدالتها وديمومتها.
إن تحسين أوضاع العمال الأردنيين لا يمكن أن يُختزل في قرارات ظرفية أو زيادات محدودة على الأجور، رغم أهميتها، بل يتطلّب مقاربة شاملة تعيد تعريف العلاقة بين العامل وسوق العمل.
الأجر العادل يجب أن يقترن ببيئة عمل آمنة، وحماية اجتماعية فعّالة، ومسارات واضحة للتطور المهني. كما أنّ تمكين العمال يستدعي الاستثمار الجاد في التدريب والتأهيل، بما يواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل، ويمنح العامل القدرة على المنافسة، لا مجرّد البقاء في المكان نفسه إلى ما لا نهاية.
ولا يمكن إغفال دور السياسات العامة، التي ينبغي أن تنتقل من الطابع التقريري إلى الطابع التنفيذي القابل للقياس. فكم من استراتيجيات تم الحديث عنها، وكم من خطط وُضعت، لكن أثرها ظل محدودًا في حياة العمال.
ومن جهة أخرى، فإن القطاع الخاص شريك أساسي في هذه المعادلة، لا يمكن إعفاؤه من مسؤوليته الاجتماعية والاقتصادية. استدامة الأعمال لا تنفصل عن استدامة القوى العاملة، وأي اختلال في هذه العلاقة سينعكس عاجلًا أم آجلًا على الإنتاجية والاستقرار؛ وهنا لا بد من الانتقال في القطاع الخاص من مفهوم إدارة العمالة إلى مفهوم تنمية الموارد البشرية لتحقيق هذه الاستدامة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تحسين مؤشرات رقمية فحسب، بل في استعادة ثقة العامل بجدوى العمل نفسه، وبأن جهده سيُترجم إلى حياة كريمة وآفاق أفضل. حين يشعر العامل بالإنصاف، يتحول من مجرّد منفّذ إلى شريك في البناء، ومن رقم في الإحصاءات إلى قيمة مضافة في مسيرة الوطن.
وفي عيد العمّال، لا نحتاج إلى خطابات مطوّلة، بقدر ما نحتاج إلى إرادة واضحة، تضع الإنسان العامل في صدارة الأولويات التي يجب الاهتمام بها. ومن الضرورة بمكان وضع إطار وطني عام لإدخال التغذية الراجعة من العامل نفسه، الذي يقف على ثغر من ثغور الأردن في الشارع والمصنع، وفي الوزارات والشركات.
ولا بد من التعرف على أهم التحديات والمعوقات التي تقف حائلاً أمام تحقيق إنجاز أكبر لصالح الوطن يعود بالفائدة على الجميع. حان الوقت فعلاً لمقاربة استراتيجية في ملف العمال، تبنى على أهمية تطوير مفهوم العمال ونقله إلى مستوى العمالة المهنية المتخصصة والمدرّبة، والتي تعتمد التطور التكنولوجي الهائل وتستدعي عمالة جاهزة للتعامل مع هذه التغيرات قبل أن تحل الحلول التكنولوجية والروبوتات محل العمال أنفسهم؛ وفق استراتيجية وطنية تبنى على اهتمام سمو ولي العهد الأمين بتطوير قدرات العمالة المهنية والتدريب المهني وتعظيم قدرات العمال التقنيين.
فكما كان الأردن مصدّرًا للقدرات الإدارية المؤهلة إلى سوق العمل العربي والعالمي، لماذا لا يصبح الأردن مصدّرًا للعمالة التقنية والمهنية المؤهلة والمدرّبة في تخصصات دقيقة جدًا؟