(الدولة التنظيمية) في مواجهة (الدولة الخدمية).. إلى أين يتجه الأردن؟

تاريخ النشر : السبت 11:42 9-5-2026
رومان حداد

تعاني الدول اليوم من تحديات كبرى، هذه التحديات تهدد الدولة بمفهومها ودورها ووجودها، فمع التطورات المتسارعة تغيرت التوقعات الفردية مما يجب أن تقدمه الدولة لمواطنيها، حيث لم يعد النقاش حول دور الدولة اليوم مقتصراً على حجم إنفاقها أو عدد موظفيها، بل بات يتمحور حول طبيعة وظيفتها الأساسية، وبات تطرح أسئلة حول إعادة تعريف دور الدولة، فهل على الدولة أن تقدم الخدمات مباشرة للمواطنين، بغض النظر عن جودة هذه الخدمات، أم أن على الدولة أن تلعب دوراً آخر يتمثل بتنظيم الأسواق وضبط الأطراف الفاعلة وأن تترك تقديم الخدمات للقطاع الخاص والمجتمع، بحيث تصبح الخدمات أكثر جودة؟.

هذا التحدي الذي يطرح فكرة تحول الدولة من (الدولة الخدمية) إلى (الدولة التنظيمية) يشكل أحد أبرز التحولات في الفكر السياسي والاقتصادي المعاصر، وهو نقاش يتجاوز الدول المتقدمة ليصل إلى دول مثل الأردن التي تجد نفسها في قلب هذا التحول، بكل ما يحمله من أسئلة ومخاوف وتحديات، ولكن الحل ليس بالابتعاد عنه أو عدم التعامل معه، بل بمحاولة الإجابة عليه، والتحرك نحو الأمام لإحداث التقدم المرجو.

تاريخياً، قامت (الدولة الخدمية) على فكرة أن الحكومة هي المزود الرئيس للخدمات الأساسية، من التعليم والصحة والنقل إلى التوظيف والبنية التحتية، ووفق التطور التاريخي، قد كان لهذا النموذج مبرراته، خصوصاً في مراحل بناء الدولة، حيث كان القطاع الخاص ضعيفاً أو غير قادر على تلبية احتياجات المجتمع، ولكن مع دخول مرحلة العولمة وتطور الأسواق وتعقد الاقتصاد وتطور وسائل الاتصال وتحول المواطن المحلي تدريجياً إلى مواطن عالمي، بدأت تظهر تحديات كبيرة أمام هذا النموذج، أبرزها ارتفاع كلفة الخدمات وتراجع الكفاءة وصعوبة الاستجابة السريعة للتغيرات، وهو ما خلق فجوتين مهمتين تؤثران على الدول التي تتبنى النموذج الخدمي، وهما فجوة الرضا وفجوة الثقة.

كل هذه التراكمات أدت إلى بروز نموذج (الدولة التنظيمية)، التي لا تنسحب من المشهد، بل تعيد تعريف دورها، وتعيد إعادة تموضعها في علاقتها مع المواطن، فهي وإن انسحبت تدريجياً من عدد من الخدمات، إلا أنها لم تنسحب من التزامتها في جوهرها، وهو ضمان حصول المواطن على خدمة أفضل، لذلك تبنت الدول التي اتجهت نحو نموذج (الدولة التنظيمية) نهجاً يضمن تقديم الخدمة بجودة عالية، من خلال وضع القواعد ومراقبة الأداء، بصورة تضمن العدالة في الوصول إلى الخدمات، دون أن تكون الدولة هي بالضرورة الجهة التي تقدم هذه الخدمات، وهو ما يمكن ملاحظته في عدد من القطاعات التي انسحبت منها الدولة ولكنها نظمتها، مثل قطاع الاتصالات في الأردن، أو تلك التي فتحتها لتنافس حر بأطر تنظيمية مدروسة، مثل القطاع المصرفي في الأردن، والذي يعد من الأقوى عربياً، وقادراً على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمالية.

في مسيرة الدولة الأردنية من (دولة خدمية) إلى (دولة تنظيمية) في هذين النموذجين حققت نجاحاً ملحوظاً، وهو ما يمكن تطبيقه على قطاعات عدة، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة القطاع وتحدياته والصورة الذهنية عنه لدى المواطنين.

ولكن حين تستطيع الدول الانتقال من دورها الخدمي إلى دورها التنظيمي، يجب أن يكون دور الدولة أقرب إلى (المنظم الذكي)، الذي يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويخلق بيئة تنافسية تسمح للقطاع الخاص والمجتمع المدني بالمساهمة.

هذا التحول يهاجمه الكثير بحجج غير اقتصادية وغير اجتماعية، ولكن دفاعاً عن مصالحهم التي لا يمكن الحفاظ عليها إلا من خلال تثبيت الوضع القائم، في حين أن انتقال الدولة من دورها الخدمي إلى دورها التنظيمي لا يعني بالضرورة تقليص دور الدولة، بل إعادة توجيهه، فـ(الدولة التنظيمية) القوية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الرقابة وتشريعات مرنة وأدوات حديثة لتحليل البيانات واتخاذ القرار، كما أنها تتطلب مستوى عالياً من الشفافية والمساءلة، حتى لا يتحول التنظيم إلى شكل آخر من أشكال الاحتكار أو الفوضى.

في الأردن، يكتسب هذا النقاش اليوم أهمية مضاعفة، فالأردن، كغيره من الدول النامية، لا يزال يحمل إرث (الدولة الخدمية)، حيث تلعب الحكومة دوراً مركزياً في التوظيف وتقديم الخدمات، لكن في الوقت نفسه، هناك إدراك متزايد بأن هذا النموذج لم يعد قادراً على الاستمرار بنفس الشكل، بسبب ضعف نوعية الخدمات التي يحصل عليها المواطن، وفي ظل التحديات المالية والاقتصادية وارتفاع توقعات المواطنين وتسارع التغيرات الإقليمية والدولية.

ولذلك تظهر التحولات التي يشهدها الأردن في إطار التحديث الاقتصادي والإداري، إلى حد كبير، كمحاولة للانتقال نحو نموذج أكثر توازناً، حيث لا بد من تعزيز دور القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار وتطوير البيئة التنظيمية، مع إدراك أن هذا الانتقال لا يخلو من التحديات، أبرزها كيفية الحفاظ على البعد الاجتماعي وضمان عدم تراجع جودة الخدمات أو ارتفاع كلفتها على المواطنين.

فالمعادلة الناظمة لهذاا الانتقال من (دولة خدمية) إلى (دولة تنظيمية) دقيقة، فعلى الدولة أن تنسحب جزئياً من تقديم الخدمات، دون أن تنسحب من مسؤوليتها تجاه المواطنين، وهو ما يتطلب منها بناء ثقة مجتمعية في النموذج الجديد، رغم تراكمات تاريخية جعلت المواطن يرى في الدولة المزود الأول وربما الوحيد، وخشية الأردنيين من أن تحرك نحو التغيير أو التحديث، وهو ما يعني أنه لا يجب استعارة نموذج ناجح وجاهز، بل تطوير نموذج محلي يأخذ بعين الاعتبار التحديات الموجودة في المجتمع الأردني من حيث تركيبته الاقتصادية وتحدياته الجيوسياسية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }