صفقة أم مواجهة

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:00 5-5-2026
د. خالد الشقران

تتحرك المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في ظل اوضاع إقليمية مشبعة بالتعقيد، حيث لم يعد المسار الدبلوماسي منفصلاً عن التطورات الميدانية، بل بات جزءاً عضوياً منها، فالتصعيد في مضيق هرمز، وتزايد الاحتكاكات العسكرية، وتداخل الأبعاد الاقتصادية والإنسانية، كلها عوامل تجعل من هذه المرحلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته.

المقترح الإيراني المؤلف من أربعة عشر بنداً يبرز كمحاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك عبر نقل مركز الثقل من الميدان إلى الطاولة السياسية، مستنداً إلى تصور يقوم على الإغلاق المتزامن لكافة الجبهات ضمن إطار زمني لا يتجاوز 30 يوماً، ويتضمن هذا الطرح بالإضافة الى وقف إطلاق النار، إنهاء الحرب في مختلف الساحات، بما فيها لبنان، ورفع العقوبات، وإنهاء الحصار البحري، وإعادة ترتيب الوضع الأمني في مضيق هرمز، في محاولة لفرض إيقاع تفاوضي سريع يحد من قدرة الخصوم على المناورة المرحلية.

تعكس هذه المقاربة قراءة إيرانية ترى أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لإنتاج تسوية شاملة، مدفوعة بضغوط اقتصادية داخلية وتحديات ميدانية متصاعدة، إلى جانب إدراك أن استمرار الاستنزاف قد يفتح المجال لتحولات يصعب ضبطها، غير أن هذا الطرح يصطدم بحسابات أمريكية مختلفة، حيث اعتبر دونالد ترمب أن المقترح “غير مقبول”، في موقف يعكس تمسك واشنطن بمقاربة تفاوضية تقوم على تعديل المبادرات لا تبنيها، واستخدام عامل الزمن كأداة لتحسين الشروط بدل القبول بإيقاع مفروض من الطرف المقابل.

هذا التباين يظهر صراعاً عميقاً على تعريف “نقطة النضج” لأي اتفاق؛ فبينما تسعى طهران إلى تسريع الوصول إلى تسوية شاملة، تميل واشنطن إلى إطالة أمد التفاوض وتفكيك الملفات، بما يتيح لها الحفاظ على أوراق الضغط في كل مسار على حدة، وقد تجسد ذلك عملياً في إرسال الولايات المتحدة مسودة معدلة للاتفاق عبر الوسيط الباكستاني، في وقت تؤكد فيه إيران أنها تدرس الرد وستعيده عبر القنوات ذاتها.

ضمن هذا المشهد، يتحول مضيق هرمز إلى محور اختبار للتوازن الاستراتيجي، حيث يعكس إدراج هذا الملف في صلب المقترح الإيراني محاولة لربط الأمن الملاحي بمنظومة التهدئة الشاملة، بينما ترى واشنطن في ذلك مساساً بمجال نفوذ حيوي، وقد زاد إعلان “مشروع الحرية” الأمريكي من حدة هذا التباين، إذ قدمته واشنطن كمبادرة إنسانية لتحرير السفن العالقة، في حين تشير معطياته إلى انتشار عسكري واسع يشمل مئات الطائرات وآلاف الجنود وقطعاً بحرية متقدمة.

في المقابل، تعاملت طهران مع هذه الخطوة بوصفها محاولة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة في المضيق، محذرة من أن أي تدخل عسكري قد يُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، ومؤكدة أن إدارة المضيق تبقى ضمن سيادتها، وقد انعكس هذا التوتر في الميدان عبر تبادل التحذيرات، وإطلاق نيران تنبيهية، وتقارير عن اشتباكات محدودة، إلى جانب حوادث استهداف سفن ومنشآت في محيط الخليج.

الدور الوسيط الذي تضطلع به باكستان يبرز هنا كعنصر حيوي في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، بينما يشكل انخراط سلطنة عمان بعداً داعماً للترتيبات الميدانية، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الملاحة، وتمثل هذه الوساطات أدوات لإدارة التوتر وتفكيك العقد، ضمن شبكة إقليمية تعكس إدراكاً بأن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى ضمانات متعددة الأطراف.

في العمق، تكشف الأزمة عن معضلة بنيوية بين مقاربة شمولية تسعى إلى إغلاق جميع الجبهات دفعة واحدة، وأخرى تفكيكية تفضل إدارة الصراع عبر مسارات متوازية، هذا التناقض يعبر عن اختلاف تكتيكي وصراع على شكل النظام الإقليمي المقبل، ومن يملك حق تحديد أولوياته ومعاييره.

ومع تزايد المخاطر في الخليج العربي، تتجاوز الأزمة بعدها العسكري لتلامس أبعاداً إنسانية واقتصادية ضاغطة، حيث لا تزال مئات السفن عالقة في المياه، ويواجه آلاف البحارة ظروفاً صعبة، فيما تتصاعد المخاوف من تداعيات محتملة على أسواق الطاقة العالمية، كما أن الضغوط الداخلية، بما في ذلك التدهور الاقتصادي، تضيف عاملاً آخر يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي.

في هذا المشهد، يتحول الزمن إلى عنصر حاسم في معادلة التفاوض، فالسقف الزمني الذي تطرحه طهران يسعى إلى كسر نمط المفاوضات المفتوحة، بينما ترى واشنطن في التمديد أداة لتعظيم المكاسب، وبين هذين المنطقين، يبقى الإقليم معلقاً على خيط دقيق، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يعيد إنتاج التصعيد بوتيرة أعلى.

في المحصلة، تقف المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي، فإما انتقال مدروس نحو تسوية شاملة تعيد ترتيب التوازنات وتخفف منسوب التوتر، أو انزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي بكلفة باهظة، وبين هذين الخيارين، يبقى نجاح الوساطات، وقدرة الأطراف على تقديم تنازلات محسوبة، العامل الحاسم في تحديد المسار القادم.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }